قد يرى النائم أرنبًا مرحًا يقفز بحيوية ويتمايل بخفة ويبدو عليه الاطمئنان، فيستيقظ وهو يشعر بشيء من الانشراح من غير سبب واضح. وهذه من الصور الخفيفة التي تترك أثرًا إيجابيًا في النفس، وقد تتكرر عند من يمرون بفترة هدوء أو يتجهون إلى بداية جيدة. ونؤكد أن تأويل الأحلام رموز ظنية لا تُحمل على ظاهرها، وأن التفاؤل المنسوب إلى هذا الحلم ليس ضمانًا لنتيجة، بل شعور معنوي يُستفاد منه بقدر. وليس لمن رأى هذا الحلم أن يعتمد عليه في قرار.
والتفاؤل معنى إنساني جميل، يعني حسن الظن بالأيام والنظر إلى الجانب المشرق من الأمور مع الأخذ بالأسباب. والأرنب بحركته المرحة وخفته يعطي هذا الإحساس في الذهن، فقد يعبّر الحلم عن حالة نفسية فيها شيء من الانفتاح والخفة. وقد يعبّر أيضًا عن حاجة الرائي إلى جرعة من الأمل في فترة مرهقة، فتأتيه الصورة كأنها ابتسامة من داخله. وهذا من لطف النفس حين تعوّض ثقل النهار بصورة خفيفة في الليل.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الحيوان أن الحيوان المطمئن المرح في المنام قد يدل على سلامة الحال وراحة البال بحسب صاحبه. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب قد يدل على رجل لطيف أو رزق يسير سريع. فمن جمع القولين فقد يرى في الأرنب المرح إشارة إلى أنس وخفة وخير هادئ. غير أن المفسرين اختلفوا في هذه الأبواب اختلافًا بينًا، ولا يصح اتخاذ هذه الأقوال حكمًا أو وعدًا، وإنما هي آراء تُنقل للاطلاع.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان الأرنب يقفز في مكان واسع مشمس، فالصورة أقرب إلى انشراح وسعة. وإن كان يقفز في مكان ضيق، فقد توحي بحيوية مقيدة تريد المتنفس. وإن كان الرائي يشاركه المرح، فقد يعبّر عن رغبته في الخفة واللعب. وإن كان يقفز بجانب آخرين، فقد يوحي بجو اجتماعي لطيف. وإن لم يشعر الرائي بمرح عند الاستيقاظ فلا يضيره ذلك.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه تعبير عن نفس مقبلة على الحياة بأمل، أو عن حاجة إلى لحظات مرح بعد جد. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى رغبة في إدخال جو من البهجة إلى البيت بعد انشغال طويل. وللحامل قد يكون انعكاسًا للأمل الذي يحيط بها وللفرحة بما هو آت. وكلها معانٍ تأملية لا تُحمل على الجزم.
وللرجل قد يدل الحلم على نفس نشطة تتطلع إلى بداية جديدة، أو على حاجة إلى لحظة ترويح عن النفس. وللتاجر قد يوحي بأهمية حسن المعاملة والبشاشة في التجارة، فالوجه البشوش يجلب الألفة، وهذا أمر مجرب بين الناس. ولكن لا يبني أحد على الحلم قرارًا اقتصاديًا، فالأمل المحمود يقوم على الاجتهاد والعمل لا على الصور الليلية.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: كيف كانت حركة الأرنب، وهل كانت متناغمة أم فوضوية، وهل كان هناك صوت أو موسيقى، وما إحساس الرائي حين استيقظ. فالحركة المتناغمة توحي بانسجام، والفوضوية قد توحي بحماس غير منظم. وأما الإحساس عند الاستيقاظ فهو أصدق قرينة على ما يعبّر عنه الحلم لنفس الرائي، فإن كان مبهجًا فهو كذلك وكفى.
ومن الناحية النفسية العملية، فالتفاؤل مهارة تُنمّى بالممارسة اليومية، كأن يتذكر الإنسان ثلاث نعم في يومه، أو يبتسم لمن يقابله، أو يؤدي عملًا طيبًا صغيرًا. ولا بأس أن يستثمر الرائي هذا الانشراح في خطوة نافعة، كترتيب مكانه أو الاتصال بصديق أو البدء بعادة صحية. فالتفاؤل الذي يتحول إلى عمل أنفع من التفاؤل الذي يبقى شعورًا. وهذا ما نريد أن نخرج به من الحلم.
وينبغي أن نذكر أن التفاؤل الصحي ليس إنكارًا للمشكلات ولا تجاهلًا للواقع، بل هو اعتقاد بأن الصبر والعمل يثمران مع الزمن. فمن كان في ضيق فليأخذ من الصورة ما يعينه على الاحتمال، ومن كان في سعة فليشكر. ولا يصح أن يتحول التفاؤل إلى اتكال على الأحلام، فهذا من الوهم لا من الأمل.
ومن اللطائف أن الأرنب لا يعرف الغد ومع ذلك يقفز بخفة اليوم، وفي ذلك درس بأن الإنسان يستطيع أن يعيش لحظته بقلب خفيف مع تخطيط معتدل للمستقبل. وهذا الفهم يخفف عنا حمل القلق المفرط. وهو معنى عام يلتقي مع تجارب كثير من الناس.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الحياة. والأولى أن يدعو الرائي ربه بالتوفيق وأن يحسن الظن به، وأن يوقن أن ما يخبئه المستقبل لا يعلمه إلا الله وحده. وبالتوكل والعمل الصالح يطمئن القلب وينشرح الصدر.
