من الأحلام الدافئة أن يرى الإنسان في منامه أرنبة كبيرة البطن تتحرك ببطء وتبحث عن ركن هادئ، أو تجمع حشيشاً ناعماً لتجهيز عش، وقد تكون في الحديقة أو داخل البيت أو عند باب مألوف. وهذا الحلم عند كثيرين يحمل إحساساً بالأمل والانتظار الجميل. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فالأرنبة الحامل في المنام لا تخبر بحمل أحد ولا بولادة، وإنما هي صورة يتأملها المعبّرون على أنها تعبّر عن تهيؤ أمر لطيف للنمو والظهور.
يرتبط الأرنب في رموز الأحلام بالرقة والبراءة والسرعة، وعلى الأخص بالخصب والتكاثر السريع، ولهذا تكثر الإشارة إليه في المعاني المتصلة بالنماء. فإذا ظهر حاملاً، فقد يُقرأ عند بعضهم على أنه رمز لأمر في طور التشكل والتجهيز، كمشروع صغير يتهيأ، أو نية طيبة تنضج، أو علاقة تتعمق على مهل، أو رزق متنوع يتكاثر بالتدريج. فالحمل في لغة الرموز مرحلة انتظار وإعداد وصبر، لا مرحلة نتيجة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأرنب قد يدل على رزق يسير وعلى إنسان رقيق، وذهب بعض المفسرين بعده إلى أن كثرة التوالد في الحيوان قد تشير إلى كثرة الخير أو الولد أو المال الصغير المتكاثر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى مثل هذا المعنى في الحيوانات سريعة النسل. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم تفاءل وبعضهم توقف، ولا يُعد شيء منه قاعدة قاطعة، فهي آراء تُذكر على سبيل التأمل الخفيف.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل والشعور. فإن كانت الأرنبة مطمئنة والمكان آمناً، قُرئ ذلك على أنه تهيؤ أمر بيسر. وإن كانت خائفة أو تبحث بقلق عن مكان، قُرئ على أنه انتظار يحتاج إلى مزيد من الاستعداد والطمأنينة. ويدخل في ذلك لونها وحجم بطنها وعدد الأرانب حولها، فالكثرة قد تشير إلى تعدد الفرص، والهدوء إلى حسن الأناة. وشعور الرائي بالفرح أو التردد يحدد الجانب الأقوى في الدلالة.
وإن كان الرائي رجلاً، فقد يتصل الحلم بمشروع يتهيأ للانطلاق، أو بأسرة يتطلع إلى توسيعها، أو بأمر مالي صغير ينمو بتأنٍّ، على سبيل الاحتمال. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة أو علاقة تجارية في طور التكوين تحتاج إلى صبر. وللعامل قد يوحي بمرحلة إعداد قبل فرصة جديدة. ولا ينبغي أن يُبنى على شيء من ذلك قرار مصيري، فهو من باب التأمل وحده.
وإن كانت الرائية امرأة، فقد يلامس الحلم مشاعر الأمومة والانتظار والأمل، سواء أكانت تنتظر مولوداً أم تنتظر أمراً آخر. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن رغبة دفينة في بناء أسرة أو عن حب للعناية بالصغار، دون أن يكون وعداً بشيء. وللمتزوجة قد يتصل بآمال البيت والأولاد. وللحامل قد يكون صدى لما تعيشه من ترقب، فيكفيها منه التفاؤل والطمأنينة والدعاء.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كانت الأرنبة تعدّ عشاً؟ فقد يُقرأ كتحضير لمكان آمن لأمر قادم. وهل كان هناك من يرعاها؟ فقد يدل على سند وعون. وهل كانت وحدها في العراء؟ فقد يدل على حاجة إلى حماية واستعداد أفضل. وهل رأى الرائي صغاراً في بطنها أو قربها؟ فقد يرمز ذلك إلى تعدد الثمار. ويلاحظ كذلك هل كان الرائي سعيداً بها أم متضايقاً من وجودها، فالفرح يميل إلى الانشراح والضيق إلى التحرج من مسؤولية ما.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن اقتراب مرحلة جديدة في حياة الرائي، وعن مشاعر الانتظار الممزوجة بالأمل والقلق التي ترافق كل بداية. وفيه دعوة هادئة إلى الاعتناء بما هو في طور النمو وعدم الاستعجال في قطف ثماره، فالأمور اللطيفة تحتاج إلى حضن دافئ وصبر. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه: ما الذي أرعاه الآن وأتمنى له النمو؟ وهل أمنحه ما يحتاجه من وقت وأمان؟
وقد يكون الأجمل في هذا الحلم أنه يذكّر بأن بعض أعظم الخيرات تنمو في صمت، دون ضجيج ولا إعلان، وأن الصبر على مراحل الإعداد جزء من حسن التوكل. فمن كان ينتظر أمراً فليستمر في عمله بإتقان ويدع النتائج لله، ولا يجعل من حلم عابر دليلاً على موعد أو خبر. وبهذا يجمع بين الأمل والاعتدال، فلا يفرط في التفاؤل حتى يخيب، ولا ييأس حتى يقعد.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، لا يرقى إلى اليقين ولا يخبر بالغيب، فلا يصح أن يُتخذ سبباً لقرار في الزواج أو الإنجاب أو المال أو غيرها. والأولى أن يتوجه الإنسان بالدعاء ويحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعروفة ويستشير أهل الخبرة، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا مشهد يتأمله الإنسان ثم يمضي بقلب مطمئن.
