من أبرز ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر الأرنب سرعته في العدو وخفة قفزاته، ولهذا يرى كثير من الناس في منامهم أرنبًا ينطلق كالسهم عبر حقل أو طريق أو ممر. وهذه الصورة تحمل إحساسًا بالحركة والحياة، وقد تترك أثرًا من النشاط بعد الاستيقاظ. ونؤكد أن تأويل الأحلام رموز ظنية لا تُحمل على ظاهرها، وأن سرعة الأرنب في الحلم ليست خبرًا بحدث ولا وعدًا بنتيجة. وإنما نتأمل في معاني السرعة بروح هادئة.
والسرعة في عالم الرموز قد تدل على سرعة الإنجاز أو سرعة مرور الوقت أو سرعة تغير الأحوال، وقد تدل على العجلة التي لا تخلو من الخطر. والأرنب بطبيعته يعتمد على سرعته في النجاة من الخطر، فهي ليست للتفاخر بل للسلامة. ومن هنا قد يُقرأ حلم الأرنب السريع على أن الرائي بحاجة إلى حركة رشيقة في أمر ما، أو أنه يمر بمرحلة تتسارع فيها الأحداث. وقد يعبّر عن رغبة في إنهاء عمل عالق بسرعة.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب العدو والجري أنه قد يدل على سعي في حاجة أو هرب من أمر، بحسب حال العادي وغايته. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب قد يشير إلى رزق سريع يسير وإلى رجل لطيف حذر. فمن جمع القولين قال إن الأرنب السريع قد يوحي بخير خفيف يأتي بسرعة أو بصاحب خفة وفطنة. ولكن المفسرين اختلفوا في هذه الأمور، ولا يجوز اعتبار شيء منها قولًا فصلًا.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان الأرنب يعدو في فضاء واسع بانتظام فالصورة أقرب إلى نشاط محمود. وإن كان يعدو في دوائر مفرغة، فقد توحي بأن الرائي يتحرك كثيرًا دون تقدم. وإن كان يسبق غيره، فقد توحي بالتفوق في أمر ما. وإن كان الرائي يحاول اللحاق به ولا يدركه، فقد يعبّر عن شعور بأن الأمور أسرع منه. وكل ذلك تقريب لا أكثر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنها تشعر بأن سنوات الدراسة أو العمر تمر بسرعة، أو أنها تريد إنجاز أمر قريبًا. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى سرعة الأيام وتراكم المهام في البيت. وللحامل قد يرتبط بإحساسها بقرب موعد الولادة وسرعة الأيام التي تمر. وكلها معانٍ نفسية لطيفة، لا ترتبط بوقوع شيء محدد.
وللرجل قد يدل الحلم على نشاط في العمل وسرعة في الإنجاز، أو على ضغط يتطلب منه خفة الحركة. وللتاجر قد يوحي بأهمية سرعة الاستجابة للزبائن وحسن تنظيم الوقت، وهو أمر محمود في كل زمان. غير أن العجلة في القرارات المالية مذمومة لا تقوم على حلم ولا على أمل. والمثل يقول إن في التأني السلامة، وهذا ما يناسب كل ناقد بصير.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: في أي اتجاه كان الأرنب يعدو، وهل كان يعدو نحو شيء أم هربًا من شيء، وهل كان الطريق مستقيمًا أم ملتويًا، وهل تعثر في الطريق. فالعدو نحو هدف قد يوحي بنشاط موجّه، والهرب يوحي بتجنب، والتعثر يوحي بتنبيه إلى الحذر أثناء الاستعجال. وهذه صور رمزية تأتي بما في نفس الرائي.
ومن الناحية النفسية العملية، فالحلم قد يعبّر عن رغبة في السرعة أو عن إرهاق من سرعة الحياة الحديثة. وقد يكون فرصة للتفكير في إيقاع الأيام: هل أتحرك بالقدر الذي يناسبني؟ وهل أترك لنفسي مساحة للتأمل وسط الركض؟ فمن الحكمة أن يجمع الإنسان بين النشاط والسكينة، فلا يكون بطيئًا فيفوته الخير ولا مستعجلًا فيقع في الزلل.
ويلطف القول أن نتذكر قصص الأطفال التي تصور الأرنب سريعًا ثم تبين أن الثابت المتأني قد يبلغ الغاية، وفي ذلك درس بأن السرعة ليست كل شيء. وقد يكون الحلم متأثرًا بمثل هذه القصص المحفوظة منذ الصغر. وليس في ذلك ما يضير، بل هو دليل على أن الحكمة الشعبية تسكن الأحلام أيضًا. وهذا الفهم يخفف عن الرائي عبء البحث عن دلالة غيبية.
ومن المعاني الجميلة أن السرعة إذا اقترنت بالحذر كانت نجاة، وإذا اقترنت بالتهور كانت وبالًا. والأرنب مثال على اجتماع الخفة واليقظة معًا. ومن أخذ من الصورة هذا المعنى فقد أخذ خيرًا، ومن لم يأخذ منها شيئًا فلا حرج عليه.
وقد يلتفت بعضهم إلى أن السرعة في الأحلام كثيرًا ما تأتي مصحوبة بإحساس بالخفة في الجسد، كأن الرائي هو من يجري مع الأرنب. وفي هذه الحال قد يكون الحلم تعبيرًا عن رغبة الإنسان في أن يتحرر من بطء أو ثقل يشعر به في حياته، كتأخر في إنجاز أو تعب في بدن. ولا بأس أن يأخذ الرائي من الصورة دفعة معنوية لطيفة تعينه على النشاط، دون أن ينتظر منها نتيجة محددة. فالمعاني المعنوية التي تبعث على العمل الصالح مقبولة في كل حال.
وفي الختام، كل ما قيل اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في الواقع. والأولى أن يدعو الرائي بالتوفيق في أموره وأن يحسن الظن بالله، وأن يؤمن بأن ما تحمله الأيام القادمة لا يعلمه إلا الله وحده. وبالتوكل والعمل الصالح تطمئن النفوس.
