قد يرى النائم أرنبًا محشوًا من لعب الأطفال، ناعمًا بأذنين طويلتين وعينين من زر، يحمله بين يديه أو يجده على سرير أو يهديه لطفل. وهذه صورة حديثة بلا شك، فاللعب المحشوة بهذا الشكل ليست من الصور التي تناولها المفسرون القدامى في كتبهم. ونقول بصراحة إن تأويلها يكون بالقياس والاجتهاد لا بالنقل، وإن ما يُذكر هنا مجرد تأمل ظني لا يُحمل على ظاهره، ولا يُبنى عليه شيء. فالأحلام رموز، وهذه من رموز عصرنا.
واللعبة في الرموز العامة ترتبط بالطفولة واللعب والحنين والحماية والأمان، وبخاصة اللعب المحشوة التي يتعلق بها الصغار قبل النوم. والأرنب بما فيه من رقة ونعومة يلائم هذا المعنى. فإذا ظهر الأرنب لعبة في الحلم فقد يُقرأ ذلك على أنه حنين إلى أيام الصغر، أو حاجة إلى أمان وطمأنينة، أو تذكّر لشخص أهدى لعبة مشابهة. وقد يعبّر عن رغبة في الاهتمام بطفل أو في إدخال السرور على قلب صغير. وهذه كلها قراءات بالتشبيه والقياس.
وفي كتب التفسير القديمة لا نجد ذكرًا لهذا النوع من اللعب، غير أنه نُسب إلى ابن سيرين أن اللعب بالأشياء الصغيرة في المنام قد يدل على اشتغال بما لا كبير نفع فيه أو على لهو بريء بحسب الحال. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب الحي قد يدل على رجل لطيف أو رزق يسير. وعلى سبيل القياس، قد يُقال إن لعبة الأرنب صورة مخففة ناعمة لتلك المعاني. ولكن هذا قياس بعيد، واختلف المفسرون المعاصرون فيه، فلا يصح اتخاذه قولًا فصلًا.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كانت اللعبة جديدة نظيفة، فالصورة أقرب إلى بداية لطيفة أو هدية. وإن كانت قديمة بالية، فقد توحي بحنين إلى ماضٍ أو بذكرى عزيزة. وإن كانت ممزقة، فقد توحي بحاجة إلى ترميم علاقة أو ذكرى. وإن كانت تتكلم أو تتحرك، فقد تضيف طابعًا خياليًا ظريفًا. وإن كان الرائي يهديها، فقد يدل على رغبته في العطاء. وكل ذلك تقريب لا يتجاوز التأمل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه حنين إلى أيام الطفولة أو إلى أمان البيت، أو تذكّر لهدية من قريب. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى اهتمامها بأطفالها أو بتجهيز شيء لهم، أو إلى حنين إلى بيت أهلها. وللحامل قد يرتبط ارتباطًا طبيعيًا باستعدادها للمولود وشراء مستلزماته، فهو في الغالب صدى لما يشغلها في يقظتها. وكلها معانٍ لطيفة خفيفة.
وللرجل قد يدل الحلم على اشتياقه لطفولته أو إلى لحظات اللعب مع الأبناء، وقد يكون فيه دعوة لطيفة إلى أن يمنح أولاده وقتًا أكثر. وللتاجر قد يوحي بالتفكير في بضاعة الأطفال أو في ذكرى بائع قديم، وليس لذلك دلالة على ربح. ولا يصح اتخاذ هذا الحلم أساسًا لتجارة أو شراء. فالأحلام الحديثة أولى بألا تُحمل على الجد.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: لون اللعبة وحجمها وحالها، ومن كان يحملها، وهل كانت لطفل أو للرائي نفسه، وهل شعر بالدفء أم بالحزن. فاللعبة التي يحبها الرائي في الحلم قد تعيد إليه مشاعر قديمة. وقد يكون في الحلم صدى لرؤية لعبة مشابهة في اليوم السابق، وهذا أكثر الاحتمالات شيوعًا في الأحلام. ولا حاجة إلى البحث عن معنى أبعد من ذلك.
ومن الناحية النفسية العملية، فاللعب المحشوة تحمل في النفس معنى الأمان العاطفي، ولذلك يحتاج الكبار أحيانًا إلى لحظات من الحنين إلى هذا الأمان. ولا عيب في ذلك، فهو من إنسانية الإنسان. ويمكن لمن رأى الحلم أن يخصص وقتًا لما يحب من أنشطة بسيطة، أو أن يتواصل مع من يشعره بالأمان، أو أن يدخل السرور على طفل بهدية متواضعة. وهذه الأعمال الصغيرة تنفع القلوب أكثر من التفسير.
وقد يتأمل بعضهم في أن اللعبة تجمع بين الظاهر الجميل والحقيقة غير الحية، وأنها تذكّر بأن الأمان الحقيقي مصدره الصلات الإنسانية والإيمان لا الأشياء. وهذا معنى لطيف يمكن أن يُستفاد منه عند الكبر، فنحن نحتاج إلى من نحب أكثر مما نحتاج إلى ما نملك. وهو فهم أخلاقي بسيط لا يعتمد على أي تأويل بعينه.
ومن اللطائف أن الأحلام تستعمل ما في عصرنا من صور وأشياء، فتراها تعرض لنا ما نراه في المتاجر والشاشات، وهذا يدل على أن الحلم ابن بيئته في الغالب. فلا ينبغي أن نُثقل عليه بمعانٍ كبيرة. والأحسن في مثل هذه الأحلام الحديثة أن تمر بابتسامة.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني بالقياس، قد يخطئ ولا يصلح أن يُبنى عليه قرار حقيقي. والأولى أن يدعو الرائي بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يوقن أن ما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله وحده. وبالتوكل والعمل الصالح تطمئن القلوب.
