من المشاهد المؤثرة التي قد يراها النائم أن يجد نفسه في أرض صحراوية ممتدة، رملية جرداء لا أثر فيها لنبات أو ماء، ثم فجأة ينهمر عليها مطر غزير يحول رمالها الذهبية إلى مرآة من الماء البراق، فيقف الرائي مذهولاً أمام هذا التحول الجذري في مكان كان يظن استحالة الحياة فيه، وهذه الرؤية من أبلغ صور المطر رمزية لأنها تجمع بين أقصى درجات القحط وأعظم صور الخصب في مشهد واحد، ومع ذلك يبقى التذكير لازماً بأن هذا اجتهاد تأويلي ظني لا يرقى ليقين. والمطر في دلالته الجامعة رمز للرحمة والبركة والرزق، وحين ينزل على الصحراء تحديداً فإن المعنى يبلغ أوجه في الدلالة على خير عظيم يأتي في أحلك الظروف وأشدها قحطاً، وكأن الرؤيا تقول إن الرائي سينال فرجاً عظيماً من موضع كان يظنه مستحيلاً تماماً، فالصحراء في رمزيتها تمثل اليأس المطبق والجفاف الشامل، ونزول المطر عليها هو أبلغ تجسيد لقدرة الله على إحياء ما بدا ميتاً لا رجاء فيه. وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الأرض القاحلة إذا اخضرت في المنام فذلك من أعظم البشارات بزوال شدة كان يظنها الرائي دائمة، وذهب بعض من نُقل عنهم من المفسرين إلى أن المطر في الصحراء بالذات يرمز إلى معجزة صغيرة تحدث في حياة الرائي، أمر كان يظنه بعيد المنال تماماً فإذا به يتحقق بقدرة قادر، مع التأكيد أن هذه أقوال اجتهادية منقولة تحتمل التفاوت. ويزداد هذا المعنى قوة كلما كانت مساحة الصحراء في الحلم أوسع وأكثر قحطاً قبل نزول المطر، فاتساع الأرض الميتة ثم إحيائها بالكامل يرجح أن حجم الفرج سيكون بحجم اليأس الذي سبقه تماماً. وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد تبشر هذه الرؤية بتحقق أمنية كانت تظنها مستحيلة تماماً بعد يأس طويل منها. وأما المرأة المتزوجة فقد تدل على حل أزمة زوجية أو أسرية مستعصية كانت تظنها بلا مخرج. وأما الرجل فتوحي له الرؤية غالباً بفرج مالي أو مهني عظيم يأتي من حيث لا يحتسب بعد مرحلة يأس شديد. وأما الحامل فقد ترمز إلى تحقق حمل كانت تظنه بعيد المنال أو تجاوز مضاعفات صحية خطيرة بسلام تام. ومن التفاصيل الدقيقة في هذا التأويل سرعة تحول الصحراء إلى أرض خضراء بعد المطر، فكلما كان التحول سريعاً دل على سرعة الفرج بعد تحققه، وظهور نبات أو زهور ملونة وسط الرمال يرمز إلى تنوع أوجه هذا الخير القادم لا اقتصاره على جانب واحد فقط. وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً، والأحرى بصاحب هذه الرؤية ألا ييأس أبداً من رحمة الله مهما بدا الأمر مستحيلاً، فالله على كل شيء قدير وهو وحده العالم بالغيب كله.
ويضيف بعض من تناول هذا النوع من الرؤى العميقة أن ظهور واحة صغيرة أو بركة ماء دائمة وسط الصحراء بعد توقف المطر، بدل أن يجف الماء ويعود كل شيء كما كان، يرمز إلى أن هذا الفرج العظيم سيترك أثراً دائماً في حياة الرائي لا يزول بسرعة كما جاء. ويُضاف إلى الفئات السابقة الشخص الذي يمر بأزمة مزمنة طال أمدها حتى أيقن استحالة حلها، فرؤيته لهذا التحول الجذري في الصحراء تبشره بأن حتى أصعب الأزمات وأكثرها استعصاء قابلة للحل بإذن الله إذا شاء ذلك. كما أن مشي الرائي حافي القدمين في هذه الأرض بعد أن كانت رملاً حارقاً وأصبحت طيناً بارداً منعشاً يرمز إلى راحة جسدية ونفسية عميقة تعقب معاناة طويلة كان يظن أنها لن تنتهي أبداً.
ومن الملاحظ أيضاً أن بعض من يرون هذا المشهد العظيم يصفون شعوراً بالدموع وهي تنهمر من عيونهم تلقائياً تأثراً بهذا المنظر المهيب، وكأن النفس تدرك بفطرتها حجم النعمة التي تشهدها أمامها، وهذا التأثر الصادق من أقوى علامات استشعار القلب لعظمة الفرج القادم. وختاماً يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً، وعلى الرائي ألا يقنط أبداً من رحمة الله مهما طال أمد الصحراء في حياته، فإن مع العسر يسراً، وقدرة الله فوق كل تصور بشري محدود.
وقد يُضاف إلى ما سبق أن رؤية الرائي لأثر أقدامه وهو يسير في الرمال المبتلة حديثاً يرمز إلى أنه سيترك بصمة واضحة من هذا الفرج العظيم في مسيرة حياته، لا يزول أثرها بسهولة كما تزول آثار الأقدام على رمال جافة عادية.
وفي كل الأحوال، يبقى هذا التحول العظيم من القحط إلى الخصب درساً بليغاً في أن الرجاء بالله ينبغي أن يبقى حياً مهما طال أمد الشدة، فرحمته سبحانه أوسع من كل تصور بشري محدود.
