يرى بعض الناس في منامهم أنفسهم واقفين وسط حشد من الناس أو في مكان عام، وإذا بالمطر ينهمر عليهم وحدهم دون أن يصيب قطرة واحدة منه من حولهم، فيشعرون بدهشة ممزوجة بإحساس غامر بالخصوصية، وكأن السماء اختارتهم بعينهم من دون سائر الحاضرين. وهذه الرؤية تختلف عن رؤية نزول المطر على شخص آخر يراقبه الرائي من بعيد، إذ هنا يكون الرائي نفسه محور الحدث وموضوعه المباشر، فيستيقظ وفي ذهنه تساؤلات كثيرة عن سبب هذا التخصيص ومعناه. وقبل الخوض في أي تأويل لا بد من التذكير بأن ما يراه النائم رمزي اجتهادي محض، لا يرقى إلى حقيقة قطعية، وأن مشاعر الدهشة أو السعادة المصاحبة له جزء من تجربة الرؤيا لكنها لا تثبت صحة تفسير بعينه.
تحمل رؤية اختصاص الرائي وحده بنزول المطر دلالة قوية على عناية إلهية خاصة به، فقد يرمز ذلك إلى استجابة دعاء كان يرفعه في خفاء لم يطلع عليه أحد من الناس، أو إلى رحمة ونعمة ساقها الله إليه تمييزًا له عمن حوله في وقت معين من حياته. وقد تعبر الرؤيا أيضًا عن مرحلة يشعر فيها الرائي بالاختلاف عن محيطه، سواء كان ذلك اختلافًا في الفكر أو في الظروف أو في المسار الذي يسلكه في حياته، فيأتي المطر ليجسد هذا الشعور الداخلي بالتفرد، إيجابيًا كان أم مصحوبًا بشيء من الوحدة والعزلة النفسية التي قد يعيشها من يسير في طريق مختلف عن أقرانه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن من رأى المطر ينزل عليه وحده من بين الناس فذلك يدل على نعمة يخصه الله بها دون غيره، وقد تكون هذه النعمة علمًا ينتفع به أو رزقًا يناله أو منصبًا يرفعه بين أقرانه. وذهب بعض من نقل عن النابلسي إلى أن هذا التخصيص قد يحمل أيضًا إشارة إلى ابتلاء خاص يمتحن به الرائي دون من حوله، فتكون الرؤيا دعوة للصبر والثبات أكثر من كونها بشارة محضة. وتتفاوت هذه الأقوال بين المفسرين القدامى دون أن تستند إلى نص قاطع، وهي منقولة عبر كتب التراث بإسناد غير موثق، فينبغي التعامل معها كاجتهاد ظني لا أكثر.
يتوقف المعنى الدقيق لهذه الرؤيا على مشاعر الرائي أثناءها، فإن كان سعيدًا مطمئنًا بهذا الاختصاص كانت الرؤيا أقرب إلى حمل معنى النعمة والتكريم، أما إن كان يشعر بالحرج أو الخوف من أنظار الناس إليه وهو يُمطر عليه وحده فقد تعبر الرؤيا عن قلق داخلي من لفت الانتباه أو من تحمل مسؤولية أكبر مما يحتمل. كذلك فإن طبيعة المطر نفسه، هل كان غزيرًا نافعًا أم خفيفًا، وهل صاحبه برد شديد أم كان دافئًا مريحًا، كل ذلك يضيف تفصيلاً دقيقًا يميل بالمعنى نحو البشرى أو نحو التنبيه والتحذير.
فالفتاة غير المتزوجة التي ترى هذه الرؤيا قد تكون إشارة إلى تميزها بصفة أو فرصة لا تتاح لغيرها من رفيقاتها، كقبولها في مكان مرموق أو تلقيها عرضًا مميزًا يسرها.
والمرأة المتزوجة قد ترمز الرؤيا لها إلى عناية خاصة بها من زوجها أو أهل بيتها، أو إلى كونها محط ثقة واعتماد يفوق غيرها في محيطها الأسري.
أما الرجل فقد تدل على تفرده بإنجاز أو مكانة يُحسد عليها، وينبغي له حينها أن يشكر الله على هذه الخصوصية دون أن يستشعر غرورًا يفسد عليه نعمته.
تتحدد دقة التفسير أيضًا بملاحظة تفاعل من حول الرائي في الحلم مع هذا المشهد الغريب، فإن كانوا ينظرون إليه بإعجاب أو دهشة محمودة كان ذلك مقويًا لمعنى التكريم، وإن كانوا ينظرون إليه بحسد أو استياء فقد يرمز ذلك إلى أن نعمته ستثير حوله بعض الحساسيات الاجتماعية التي يحسن له التعامل معها بحكمة وتواضع. ويضاف إلى ذلك مكان وقوع هذا المشهد، فإن كان في مكان مألوف كمكان عمله أو حيه السكني كان المعنى أقرب لشؤونه اليومية، وإن كان في مكان غريب عنه فقد يرمز إلى تغيير مرتقب في مسار حياته يحمل معه هذه الخصوصية الجديدة.
وفي الختام فإن كل ما ورد من معانٍ يبقى اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يصل إلى درجة اليقين، فلا يصح الجزم بتفسير معين أو البناء عليه في شأن من شؤون الحياة، فعلم الغيب عند الله وحده لا شريك له فيه. فمن رأى هذه الرؤيا وشعر بالسرور فليحمد الله على نعمه الظاهرة والباطنة، وليحرص على التواضع وعدم الاغترار، ومن انتابه قلق منها فليتعوذ بالله ويحسن الظن به، فالخير كله بيد الله يمنحه من يشاء من عباده في الوقت الذي يراه مناسبًا بحكمته البالغة.
ومن المفيد أن يتوقف الرائي عند تكرار هذه الرؤيا أكثر من مرة في فترة قصيرة، إذ قد يكون هذا التكرار رسالة لطيفة تدعوه إلى شكر الله على نعمة بعينها يغفل عن قيمتها في يقظته، كصحة يتمتع بها أو نعمة أهل وولد أو استقرار في عمله لا يلتفت إليه كثيرًا بسبب انشغاله بطلب المزيد. كما ينبغي التفريق بين من يرى هذه الرؤيا وهو يشعر بالامتنان الصادق لله، وبين من يستحضر فيها نوعًا من الفخر على الآخرين، إذ إن المعنى الأول يقرب الرؤيا من البشرى الخالصة بينما الثاني قد يستدعي من الرائي مراجعة نيته وموقفه من نعم الله عليه مقارنة بغيره من الناس.
