من رؤى المطر الموحية بالخير العميم أن يرى الإنسان مطراً غزيراً يملأ الأنهار والبرك والمسطحات المائية من حوله، فيرتفع منسوب الماء فيها بشكل واضح حتى تمتلئ وتفيض بوفرة ظاهرة. وهي رؤية تحمل طابعاً من الوفرة والامتلاء يختلف عن مشاهد المطر العابر الذي لا يترك أثراً ملموساً. ويبقى الأصل في تفسيرها أنه اجتهاد ظني احتمالي، وما سيُذكر هنا قراءة رمزية لا حكم قاطع على واقع الرائي أو مستقبله.
وترتبط الأنهار والبرك في الرمزية العامة بمصادر الرزق والعيش المستمر، فامتلاؤها بالمطر يُقرَّب عند من يقرأ الرموز إلى معنى وفرة الرزق وكثرته، وزيادة في موارد الرائي أو مصادر دخله بشكل ملحوظ، بخلاف جفافها الذي يحمل معنى الشح والضيق. وقد يُنظر إلى هذا المشهد أيضاً كرمز لتجمع الخير من مصادر متعددة في وقت واحد، فكما تتجمع مياه الأمطار من كل اتجاه لتملأ النهر أو البركة، فقد تتجمع أسباب الرزق للرائي من جهات متعددة لم يكن يتوقعها جميعاً في آن واحد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الأنهار في المنام تدل على أسباب العيش والرزق الجاري المستمر، وأن امتلاءها وزيادة مائها تدل على سعة في الرزق وكثرته، بخلاف نقصانها الذي يدل على ضيق فيه، وذهب بعض من نُسب إليهم النابلسي إلى معانٍ قريبة من هذا، مؤكدين أن وفرة الماء الجاري من أوضح رموز الخير العام، وهذه الأقوال اجتهادية ظنية متفاوتة تتفق في عمومها على حمل هذا المشهد على الخير والسعة.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب حال الماء الذي امتلأت به هذه المسطحات؛ فإن كان صافياً نقياً جارياً بهدوء، كانت الدلالة أقرب إلى رزق حلال واسع يأتي بيسر وسهولة. وإن كان الماء كدراً أو جارياً بعنف يهدد بالفيضان، فقد تحمل الرؤيا بعداً مختلطاً بين الوفرة والشدة معاً، يستدعي حسن إدارة ذلك الخير الوفير حتى لا يتحول إلى عبء يصعب التعامل معه. كذلك يُراعى هل استفاد الرائي من هذا الماء مباشرة، كأن يشرب منه أو يروي به زرعاً، فهذا يضيف بعداً مباشراً لانتفاعه الشخصي بهذا الخير العميم.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، فقد يُقرَّب هذا المشهد إلى وفرة في الخيارات المتاحة أمامها في حياتها القادمة. وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فقد تحمل الرؤيا معنى سعة في رزق بيتها وأسرتها بعد ضيق سابق. وأما الرجل فقد يُنظر إلى هذه الرؤيا في حقه على أنها إشارة إلى تدفق الرزق عليه من مصادر متعددة في وقت متقارب. وأما الحامل، فقد يُقرَّب هذا المشهد إلى وفرة الخير والبركة التي ستحيط بها ومولودها بعد قدومه إلى الدنيا بإذن الله.
ومن التفاصيل المهمة في هذه الرؤيا، حجم النهر أو البركة التي امتلأت، ومدى صفاء مائها، وهل شارك الرائي آخرين في الاستفادة من هذا الماء أم انتفع به وحده، فمشاركة الآخرين في الانتفاع تضيف بعداً اجتماعياً لهذا الخير الذي قد يعم أكثر من شخص واحد لا الرائي فقط دون سواه.
ويضيف بعض من يتأمل هذا النوع من الرؤى أن تجمع المياه من مصادر متفرقة في مكان واحد يرمز أحياناً إلى اجتماع جهود متفرقة كانت تبدو منفصلة لتثمر نتيجة واحدة ملموسة، وهذا قد يحمل بشرى لمن كان يعمل في مشاريع متعددة متوازية بأن ثمارها قد تجتمع له في وقت متقارب، محققة له فائدة أكبر مما لو نظر إلى كل مشروع منها بمعزل عن غيره من المشاريع الأخرى.
ومن المفيد أيضاً أن يقرن الرائي بشرى هذه الرؤيا بالعمل الجاد لاستثمار ما يصله من خير بأفضل صورة ممكنة، فوفرة الماء في النهر لا تنفع صاحبها ما لم يُحسن توجيهها للري أو الانتفاع بها، وكذلك وفرة الرزق لا تكتمل بركتها إلا بحسن التصرف فيها وعدم إسرافها فيما لا ينفع. ويرى بعض من يتأمل هذا النوع من الرؤى أن امتلاء الأنهار والبرك يحمل أيضاً معنى الاستقرار طويل الأمد، بخلاف الخير العابر السريع الزوال، فهو أقرب إلى بناء قاعدة ثابتة من الرزق يُبنى عليها مستقبل آمن بإذن الله تعالى.
وفي ختام الحديث عن هذه الرؤيا المبشرة بالخير، تبقى كل هذه المعاني اجتهاداً بشرياً ظنياً يحتمل الخطأ والصواب. وعلى من رآها أن يستقبلها بالشكر وحسن الظن بالله، وأن يحسن إدارة ما يصله من خير، فإن شكر النعمة سبب في دوامها وزيادتها بإذن الله. وتبقى هذه الرؤيا في جوهرها دعوة للتفاؤل بسعة رزق الله، مع الأخذ بأسباب حسن إدارته والمحافظة عليه بالشكر والعمل الصالح.
