يرى بعض النائمين مطراً ينهمر في مكان يذكرهم بمرحلة قديمة من حياتهم، كبيت الطفولة أو مدرسة قديمة أو مكان جمعهم يوماً بشخص عزيز، فتمتزج مشاعر الحنين بمشهد الغيث النازل، ويستيقظ الرائي وهو يشعر بمزيج من الشجن الجميل والدفء الداخلي، وهذه الرؤية بطابعها الزمني المميز تستحق تأملاً خاصاً، مع التذكير اللازم بأن هذا التأويل اجتهاد ظني احتمالي لا يُقطع به. والمطر في دلالته الجامعة رمز للرحمة والبركة والرزق، واقترانه بذكرى قديمة يضيف بعداً زمنياً للرؤية، إذ يرمز إلى أن أمراً من الماضي سيعود للظهور في حياة الرائي بصورة متجددة، أو أن قيمة أو درساً تعلمه قديماً سيجد تطبيقه العملي من جديد في مرحلته الحالية، فالمطر هنا يُحيي الذكرى كما يُحيي الأرض اليابسة، ويعيد الاعتبار لما كان يظن الرائي أنه طوته صفحات الزمن. وقد ذهب بعض من تناول هذا النوع من الرؤى إلى أن استحضار مكان أو زمان قديم في الحلم مقترناً بالمطر يرمز إلى فرصة لتصحيح أمر فات أو لاستئناف علاقة أو مشروع كان متوقفاً منذ زمن، فيما نُسب إلى ابن سيرين ما يدعم أن رؤية الأماكن القديمة في المنام تحمل غالباً رسالة متعلقة بجذور الرائي وأصوله، مع التأكيد أن هذه أقوال اجتهادية منقولة تحتمل التفاوت. ويتوقف دقيق المعنى على شعور الرائي تجاه هذه الذكرى؛ فإن كان شعوره سعيداً دافئاً فذلك يرجح أن عودة هذا الأمر القديم ستكون خيراً محضاً، أما إن صاحبه شيء من الحزن أو الحنين الموجع فقد يحتاج لمعالجة هذا الجرح القديم بدل تركه كامناً دون شفاء. وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد تشير هذه الرؤية إلى عودة شخص من ماضيها بصورة جديدة أو تحقق أمنية قديمة تأخرت كثيراً. وأما المرأة المتزوجة فقد تدل على تجدد دفء علاقة قديمة مع أهلها أو صديقات طفولتها. وأما الرجل فتوحي له الرؤية غالباً باستئناف مشروع قديم توقف لظروف معينة. وأما الحامل فقد ترمز إلى تذكرها لأمها أو جداتها وهي تستعد بدورها للأمومة كما عشن هن قبلها. ومن التفاصيل الدقيقة في هذا التأويل وضوح تفاصيل المكان القديم في الحلم، فكلما كانت واضحة دقيقة دل ذلك على قرب تفعيل هذه الذكرى في الواقع، وغموضها يرجح أن الأمر ما زال في طور التشكل. وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً، وعلى الرائي أن يستلهم من ماضيه الجميل قوة لحاضره دون أن يبقى أسيراً له، فالله وحده يعلم ما يخبئه المستقبل.
ويضيف بعض من تناول هذا النوع من الرؤى أن رؤية شخص قديم عزيز كان جزءاً من تلك الذكرى يظهر فجأة في الحلم تحت المطر نفسه يرمز إلى احتمال عودة التواصل معه فعلياً في القريب العاجل، أو على الأقل عودة ذكره الطيب إلى حياة الرائي بصورة مؤثرة. ويُضاف إلى الفئات السابقة الشخص الذي انتقل حديثاً إلى مكان جديد بعيداً عن جذوره، فرؤيته لهذا المكان القديم تحت المطر تطمئنه إلى أن جذوره وأصوله ستبقى حاضرة في وجدانه مهما بعدت به الأماكن. كما أن سماع الرائي لصوت كان مألوفاً له قديماً، كصوت أحد أفراد أسرته أو أغنية ارتبطت بتلك المرحلة، يعزز صدق هذا الاستحضار العاطفي ويزيد من رسوخ أثره الطيب في نفسه بعد الاستيقاظ.
ومن الملاحظ أيضاً أن بعض من يرون هذا النوع من الرؤى يصفون شعوراً بالدفء رغم برودة الذكرى الظاهرة، وكأن الزمن لم يفسد شيئاً من صفاء تلك اللحظة القديمة بل حفظها كما هي في مكان آمن من القلب، وهذا يرمز إلى أن بعض الروابط الحقيقية لا يطويها الزمن مهما طال، وتبقى جاهزة للعودة بمجرد أن تحين الفرصة المناسبة لإحيائها من جديد في أرض الواقع. ويُستحسن أن يبادر الرائي فعلياً بالتواصل مع من استحضرهم هذا الحلم إن أمكنه ذلك، فقد تكون الرؤيا دافعاً عملياً لا مجرد ذكرى عابرة تمر دون أثر يُذكر.
ومما يُضاف أيضاً أن استيقاظ الرائي من هذا الحلم بابتسامة عفوية على شفتيه، رغم أن المشهد يحمل شجناً في ظاهره، يؤكد أن الذكرى المستحضرة ذكرى طيبة خالصة، وأن الحنين إليها نابع من محبة صادقة لا من حسرة أو ندم يثقل القلب.
وختاماً يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يصح الجزم به، وعلى الرائي أن يعتز بجذوره وذكرياته الطيبة دون أن يتعلق بها أكثر من اللازم، مستحضراً أن الحاضر هو ميدان العمل الحقيقي وأن الغيب كله بيد الله وحده.
فالذكريات الطيبة زاد للقلب، والاستلهام منها بحكمة خير من الانغلاق عليها أو إهمالها كلياً.
