من الرؤى المؤثرة أن يرى النائم نفسه يرفع يديه بالدعاء في منامه، فما تكاد كلماته تنتهي حتى ينهمر المطر من السماء وكأنه استجابة مباشرة لما طلب، فيشعر الرائي بقشعريرة روحية عميقة ويستيقظ وهو يحمل هذا الإحساس معه، وهذه الرؤية من أكثر رؤى المطر ارتباطاً بمعنى استجابة الدعاء في الوجدان الشعبي، ومع ذلك يبقى التذكير لازماً بأن هذا اجتهاد تأويلي ظني لا يُقطع به على نحو يقيني. والمطر في دلالته العامة رمز للرحمة والبركة والرزق، واقترانه المباشر بالدعاء في الحلم يعزز هذا المعنى بشدة، إذ يرمز الماء النازل من السماء عقب الدعاء إلى تجاوب كوني بين طلب العبد وعطاء ربه، وهو ما يذكّر بمعاني قريبة من كون الدعاء سبباً من أسباب نزول الرحمة والغيث في الواقع المحسوس أيضاً، فتكون هذه الرؤية أقرب لتجسيد رمزي لحال القلب المؤمن حين يتوجه لله بصدق. وقد ذهب بعض من تناول هذا النوع من الرؤى إلى أن تزامن الدعاء مع نزول المطر في المنام من أرجى العلامات على قرب تحقق ما كان الرائي يدعو به فعلاً في حياته اليقظة، فيما نُسب إلى ابن سيرين في موضع قريب أن رؤية المطر عموماً من علامات استجابة الدعاء وزوال الهم، وهذا يتقارب مع ما ورد هنا وإن اختلفت صيغة الرؤية، مع التأكيد أن هذه أقوال اجتهادية منقولة تحتمل التفاوت. ويتوقف دقيق المعنى على مضمون الدعاء الذي كان يردده الرائي إن تذكره بعد استيقاظه، فإن كان دعاءً محدداً بأمر بعينه فالرؤية ترجح استجابته في ذلك الأمر تحديداً، أما إن كان دعاءً عاماً بالخير والرحمة فالمعنى يتسع ليشمل جوانب متعددة من حياته. وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد تشير هذه الرؤية إلى قرب استجابة دعائها بخصوص أمر قلبي أو مستقبلي كانت تلح فيه على ربها. وأما المرأة المتزوجة فقد تدل على استجابة دعائها بخصوص استقرار بيتها أو شفاء أحد أفراد أسرتها. وأما الرجل فتوحي له الرؤية غالباً باستجابة دعائه في أمر رزق أو تيسير كان يناجي به ربه كثيراً. وأما الحامل فقد ترمز إلى استجابة دعائها بسلامة حملها وولادتها. ومن التفاصيل الدقيقة في هذا التأويل شعور الرائي عند الدعاء، فإن كان خاشعاً متضرعاً بصدق فذلك يرجح استجابة أقوى، كما أن استمرار المطر بعد الدعاء لفترة دون توقف سريع يعزز معنى دوام هذه الاستجابة وعدم كونها لحظة عابرة. وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يصح التعويل عليه قطعاً، والأحرى بصاحب هذه الرؤية أن يداوم على الدعاء في يقظته كما رآه في منامه، فالدعاء عبادة في ذاته سواء استجيب عاجلاً أم آجلاً، والغيب كله بيد الله وحده.
ويذكر بعض من تناول هذا النوع من الرؤى أن رفع الرائي يديه بالدعاء قبل نزول المطر مباشرة، بدل أن يكون جالساً أو واقفاً بلا حركة، يضيف قوة إضافية للتأويل، إذ يرمز إلى أن استجابة الدعاء ترتبط بصدق التوجه إلى الله وحضور القلب أثناء الطلب لا بمجرد تحريك الشفتين. ويُضاف إلى الفئات السابقة الشخص الذي يمر بظرف صعب ويكثر فيه من الدعاء دون أن يرى له أثراً ظاهراً بعد، فهذه الرؤية تطمئنه إلى أن دعاءه مسموع وأن إجابته قد تكون أقرب مما يظن حتى لو لم يظهر أثرها فوراً في الواقع. كما أن بكاء الرائي أثناء دعائه في الحلم قبل نزول المطر يعزز صدق هذا الدعاء وخشوعه، وهو ما يُستحسن أن يحرص عليه فعلياً في دعائه اليقظ أيضاً، فقد ورد في الأثر فضل البكاء من خشية الله في مواضع الدعاء والمناجاة.
ومن الملاحظ أيضاً أن بعض من يرون هذا النوع من الرؤى يصفون شعوراً بالطمأنينة الغريبة تجاه أمر كانوا قلقين بشأنه قبل الحلم مباشرة، وكأن الرؤيا نفسها كانت إجابة مباشرة عن سؤال قلق داخلي لم يبح به أحد لأحد، وهذا يعكس عمق الصلة بين حالة القلب الصادقة في الدعاء وبين ما يراه النائم من بشارات رمزية. وختاماً يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يصح الجزم بتحققه، والأحرى بصاحب هذه الرؤية أن يداوم على الدعاء بيقين تام أن الله سميع قريب مجيب، دون أن يستعجل الإجابة أو يظن أن تأخرها نفي لها، فالغيب كله بيد الله وحده لا شريك له.
وقد يُضاف إلى ما سبق أن تكرار هذا المشهد بالذات، دعاء يعقبه مطر مباشرة، في أكثر من ليلة يرجح أن ثمة أمراً معيناً يلح على قلب الرائي بالفعل وأنه الأحق بالاستمرار في الدعاء بشأنه بثقة ورجاء.
