يرى بعض النائمين أنفسهم في مكان شديد الظلام بينما ينهمر المطر، فتأتي ومضة برق مفاجئة تضيء كل شيء حولهم للحظة قصيرة قبل أن يعود الظلام من جديد، وتتكرر هذه الومضات بين الفينة والأخرى طوال الحلم، وهذا المشهد المتناوب بين العتمة والضياء يحمل رمزية خاصة تستحق التأمل، مع التذكير اللازم بأن هذا التأويل اجتهاد ظني احتمالي لا يُجزم به بحال من الأحوال. والمطر في دلالته الجامعة رمز للرحمة والبركة والرزق، والبرق يضيف إلى هذا المعنى بُعداً خاصاً هو الوضوح المفاجئ وسط حالة من الغموض المستمر، فكأن الرؤيا تقول إن الرائي سينال ومضات من الفهم أو الحل تتخلل فترة من الحيرة والتردد، لا حلاً شاملاً دفعة واحدة بل إشراقات متتالية تنير له الطريق خطوة خطوة حتى يتجاوز هذه العتمة بالكامل. وقد ذهب بعض من تناول هذا النوع من الرؤى إلى أن البرق في المنام يرمز إلى لحظة إلهام أو فكرة مفاجئة تحل معضلة كان الرائي عاجزاً عن حلها، وأن تكرار الومضات يرجح أن هذه الإلهامات ستتوالى على فترات حتى تكتمل الصورة بالكامل في ذهنه، فيما نُسب إلى ابن سيرين ما يدعم أن الضوء في المنام من علامات الهداية والتوفيق، مع التأكيد أن هذه أقوال اجتهادية منقولة تحتمل التفاوت. ويتوقف دقيق المعنى على ما يراه الرائي خلال كل ومضة من البرق؛ فإن كان يرى طريقاً واضحاً أمامه في كل ومضة فذلك يرجح أنه سيتلقى توجيهات عملية واضحة تساعده في قراراته، أما إن كان المشهد مربكاً حتى مع الضوء فقد يحتاج لمزيد تأمل وتمييز قبل أن يتضح له الطريق تماماً. وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد تشير هذه الرؤية إلى لحظات وضوح متقطعة تساعدها على فهم مشاعرها الحقيقية تجاه قرار عاطفي مهم. وأما المرأة المتزوجة فقد تدل على إدراكها التدريجي لحل مشكلة أسرية كانت تبدو معقدة. وأما الرجل فتوحي له الرؤية غالباً بأفكار مفاجئة تساعده في تطوير عمله أو حل عقبة مهنية مستعصية. وأما الحامل فقد ترمز إلى لحظات طمأنينة متقطعة تتخلل قلقها الطبيعي بشأن حملها واقتراب موعد ولادتها. ومن التفاصيل الدقيقة في هذا التأويل مدة بقاء الضوء بعد كل ومضة، فكلما طالت قليلاً دل على وضوح أكبر في الفهم، وقصرها يرجح أن الأمر يحتاج تأملاً متكرراً قبل أن يتضح بالكامل. وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً، وعلى الرائي أن يستقبل كل لحظة وضوح تأتيه بشكر واستثمار جيد لها، مستعيناً بالله في إتمام ما بدأه من فهم وإدراك، فالهداية كلها بيد الله وحده لا شريك له.
ويضيف بعض من تناول هذا النوع من الرؤى أن لون البرق نفسه له دلالة إضافية، فإن كان أبيض ناصعاً فذلك يرجح وضوح الحل القادم وصفاءه، أما إن مال لونه نحو الأزرق الداكن فقد يشير إلى أن الوضوح سيأتي مصحوباً بشيء من الجدية والتروي قبل اتخاذ القرار النهائي. ويُضاف إلى الفئات السابقة الشخص الذي يمر بحيرة شديدة بين خيارين متعارضين، فرؤيته لهذا التناوب بين الظلام والضوء ترمز إلى أنه سينتقل تدريجياً من حالة التردد إلى وضوح تام في اختياره. كما أن سماع صوت الرعد المصاحب للبرق دون أن يصيبه فزع شديد يرجح أن هذه اللحظات من الوضوح ستكون مصحوبة بقدر من الحسم القوي في اتخاذ القرار بعد طول تردد.
ومن الملاحظ أيضاً أن بعض الرائين يصفون شعوراً بالتوتر الإيجابي أثناء انتظار كل ومضة برق جديدة، وكأنهم يترقبون كشفاً جديداً في كل مرة، وهذا الترقب المتجدد يعكس فضولاً معرفياً صحياً تجاه حل مشكلاتهم بدل الاستسلام لليأس من إيجاد أي حل واضح لها. ويُضاف إلى ذلك أن اختفاء الظلام تماماً مع آخر ومضة في الحلم، بدل عودته مجدداً، يرجح أن الحل النهائي الشامل بات قريباً جداً من متناول الرائي، وأن ما تبقى من تردد سيزول قريباً بإذن الله ليحل محله يقين واضح في طريقه القادم.
وختاماً يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يصح الجزم به، وعلى الرائي أن يطلب من الله دوام الهداية والتوفيق في كل خطوة يخطوها نحو قراره، فالنور الحقيقي الذي يُعتمد عليه هو نور الوحي والهداية الربانية، والغيب كله عند الله وحده لا شريك له في علمه.
فالصبر على فترة الغموض المؤقتة بين كل ومضة وأخرى هو ما يهيئ القلب لاستقبال الفهم الكامل حين يحين أوانه، دون استعجال يُفسد صفو هذا الإدراك المتدرج الجميل.
