يلاحظ بعض الناس أنهم يرون المطر في منامهم مراراً خلال فترة قصيرة، فتارة في ليلة وتارة أخرى بعد أيام قليلة، حتى يشعروا أن هذا المشهد بات مألوفاً يتكرر عليهم بصورة لافتة تدفعهم للتساؤل عن سر هذا التكرار، وهذه الظاهرة في عالم الأحلام تستحق وقفة خاصة بعيداً عن التفصيل في كل حلم على حدة، مع التذكير الدائم بأن ما سيُقال اجتهاد ظني احتمالي لا يرقى لليقين القاطع. والمطر كما هو معروف رمز جامع للرحمة والرزق والبركة النازلة من عند الله، وتكرار رؤيته في حد ذاته يحمل دلالة إضافية هي التأكيد والترسيخ، فكأن الرؤيا تُعاد كي يلتفت الرائي إليها جيداً ولا يغفل عن معناها، وهذا يتفق مع ما هو معروف في عرف المفسرين من أن تكرار الحلم الواحد أو تشابه موضوعه عبر ليالٍ متقاربة يقوّي احتمال أن يكون المعنى المستخلص منه أقرب للصواب أو أن الأمر الذي يرمز إليه أقرب للتحقق الفعلي. وقد نُسب إلى ابن سيرين أن تكرار الرؤيا من علامات صدقها أو قوة دلالتها، وذهب بعض من نُقل عنهم من المفسرين إلى أن تكرر رؤية المطر بالذات يرجح اقتراب موعد تحقق الخير الذي يرمز إليه، لا مجرد احتمال بعيد، مع التنبيه إلى أن هذه الأقوال اجتهادات منقولة وأن التكرار وحده لا يكفي لضمان صحة التأويل بل يبقى احتمالاً راجحاً فقط. ويختلف المعنى الدقيق بحسب طبيعة المطر المتكرر في كل مرة؛ فإن كان هادئاً في كل الليالي فذلك يرجح استقرار الخير القادم، أما إن تنوع بين هادئ وعاصف فقد يشير إلى مراحل متفاوتة ينتظرها الرائي قبل استقرار أمره، كما أن حالته الشعورية المتكررة من فرح أو قلق تجاه هذا المطر في كل مرة تعطي صورة أوضح عن استعداده النفسي لما هو آت. وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد يشير تكرار هذه الرؤية إلى اقتراب فعلي لحدث مهم كانت تنتظره طويلاً، وأما المرأة المتزوجة فقد يدل على ترسخ استقرار بدأ يتكون في بيتها، وأما الرجل فتوحي له الرؤية المتكررة غالباً بأن مساراً مهنياً أو مالياً يسير فعلاً نحو التحسن المستمر لا العابر، وأما الحامل فقد يرمز التكرار إلى طمأنة متتالية بسلامة حملها في كل مرحلة من مراحله. ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه الفارق الزمني بين كل رؤية وأخرى، فكلما تقاربت زمنياً دل ذلك على قرب الحدث المرتقب، وكلما تباعدت دل على أن الأمر ما زال في طور التكوّن ويحتاج وقتاً أطول، كما أن ازدياد غزارة المطر مع كل تكرار قد يشير إلى تنامي الخير تدريجياً. وفي الختام، يبقى من الضروري التأكيد أن هذا كله اجتهاد بشري ظني، وأن التكرار وإن رجّح المعنى فإنه لا يصل به إلى درجة اليقين، فالأولى بالرائي أن يقابل هذا التكرار بمزيد من الدعاء وحسن الظن بالله، فهو وحده العالم بما سيكون.
ويذكر بعض من تناول ظاهرة تكرار الأحلام أن تشابه المكان أو الأشخاص المحيطين بالرائي في كل مرة يرى فيها المطر يضيف دلالة أدق، فإن تكرر المكان نفسه ترجح أن الخير القادم مرتبط تحديداً بهذا الجانب من حياته، كبيته أو عمله بحسب طبيعة المكان المتكرر، أما إن تغير المكان في كل مرة فقد يشير إلى أن هذا الخير سيطال جوانب متعددة من حياته لا جانباً واحداً بعينه. ويُضاف إلى ما سبق أن بعض الرائين يلاحظون تطور تفاصيل الحلم مع كل تكرار، كأن يرى المطر خفيفاً في المرة الأولى ثم يزداد غزارة في المرات اللاحقة، وهذا التدرج يرجح أن الأمر يمر بمراحل متتالية من النمو قبل أن يكتمل تماماً. كما أن مشاركة الرائي لهذه الرؤية المتكررة مع شخص يثق به قد تكشف له أحياناً جانباً من تأويلها لم يكن قد انتبه إليه بنفسه، دون أن يعني ذلك أن تفسير الآخرين أدق بالضرورة من تأمله الشخصي.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن بعض من يتكرر لديهم هذا النوع من الأحلام يلاحظون تغيراً في حالتهم الشعورية العامة خلال الأيام التي تتخلل كل رؤية وأخرى، كأن يشعروا بتفاؤل متزايد أو هدوء نفسي ملحوظ يتنامى مع كل تكرار، وهذا التوافق بين الحلم المتكرر وحالة اليقظة النفسية يرجح أن ثمة ارتباطاً حقيقياً بين ما يراه الرائي وما يعيشه فعلاً من تطورات إيجابية، وإن كان هذا الربط يبقى في النهاية اجتهاداً شخصياً يحتاج كل صاحب رؤية أن يزنه بميزان واقعه الخاص لا أن يعممه على غيره من الحالات المختلفة.
وخلاصة القول إن تكرار رؤية المطر بهذه الصورة يبقى بشارة طيبة تستحق الشكر، مع التسليم الكامل بأن الله وحده هو من يعلم متى وكيف يتحقق هذا الخير على أرض الواقع.
