من الرؤى اللافتة التي يراها البعض في منامه أن يجد نفسه يمشي تحت المطر دون أن يحمل مظلة تقيه من الماء، فيواصل سيره وهو يبتل شيئاً فشيئاً دون أن يسعى للاحتماء أو الاختباء من قطراته المتتالية. وهي رؤية تحمل في ظاهرها معنى الانكشاف التام أمام ما ينزل من السماء، وقبل الخوض في معانيها المحتملة يجب التأكيد مجدداً أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يقين فيه بحال من الأحوال، وأن ما يُذكر من معانٍ إنما هو قراءة رمزية تحتمل الصواب والخطأ معاً، ولا ينبغي اتخاذها حكماً قاطعاً على حال الرائي أو مستقبل أيامه.
ويرتبط المطر في عمومه بالرحمة والبركة والرزق النازل من عند الله على عباده، والمشي تحته دون مظلة قد يُقرَّب في بعض القراءات إلى معنى الاستسلام والقبول لما يأتي من خير أو قدر، وعدم المقاومة أو التحفظ أمام ما يُرسل من عند الله سبحانه. وقد يُنظر إليه أحياناً على أنه إشارة إلى الصراحة والوضوح في حياة الرائي وتعاملاته، أو استعداده لمواجهة الأمور كما هي دون تحايل أو هروب أو مواربة. وفي جانب آخر، قد يرى بعضهم فيه إشارة إلى تعرض الرائي لمواقف يشعر فيها بقلة الحيلة أو غياب من يسنده أو يقف إلى جانبه في محنته، لكن هذا يبقى تأويلاً محتملاً من بين تأويلات أخرى لا حتمياً ولا وحيداً.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن من رأى نفسه يصيبه المطر ويبتل به في منامه فإن ذلك قد يدل على إصابته بخير ورزق يناله بنفسه مباشرة، لأن الماء إذا مسّ جسد الرائي مباشرة كان أقرب إلى أن يناله هو بعينه لا أن يمر به مروراً عابراً، وذهب بعض من نُسب إليهم النابلسي إلى معنى قريب من هذا، فربط مباشرة الماء للجسد بنيل الرائي قسطاً من الخير مباشرة لا بواسطة غيره من الناس، وهذه أقوال ظنية اجتهادية يجدر عدم الجزم بها أو التعويل عليها وحدها دون النظر في سياق الرؤيا كاملاً.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب حال المطر نفسه وشدته؛ فإن كان المطر خفيفاً لطيفاً وهو يمشي تحته بهدوء، كانت الدلالة أقرب إلى الراحة والقبول الهادئ لما يأتي من أقدار، وإن كان شديداً غزيراً وهو يواصل سيره فيه دون مظلة ودون توقف، فقد يحمل ذلك معنى الصبر على شدة أو مواجهة تحدٍّ بثبات وجلد. كذلك يُراعى شعور الرائي في الحلم، فإن كان سعيداً مستمتعاً بالمطر يضحك وهو يمشي، كانت الرؤيا أقرب إلى الخير والانشراح، وإن كان متضايقاً من ابتلاله يحاول التعجل في مشيته، فقد تحمل الرؤيا بعداً يتعلق بشعوره بعدم الاستعداد لأمر يواجهه في يقظته القريبة.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، فقد يُقرَّب مشيها تحت المطر دون مظلة إلى انفتاحها على تجربة جديدة في حياتها أو قبولها لتغيّر قادم تنتظره بترقب. وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فقد تحمل الرؤيا معنى مواجهتها لمسؤوليات بيتها وأسرتها بثبات وقبول دون تذمر أو شكوى. وأما الرجل فقد يُنظر إلى هذه الرؤيا في حقه على أنه يواجه أمور حياته ورزقه بشجاعة دون تردد أو خوف من المجهول. وأما الحامل، فقد يُقرَّب مشيها تحت المطر إلى قبولها لمرحلة الحمل بما فيها من تعب وترقب، واستعدادها لما يأتي من تغيرات بثقة وطمأنينة قلب.
ومن التفاصيل المؤثرة في القراءة أيضاً، مكان المشي، هل هو طريق مألوف يعرفه جيداً أم طريق غريب عنه لم يسلكه من قبل، وهل كان وحيداً في مشيته أم برفقة آخرين يشاركونه هذه اللحظة، وهل انتهى المطر وهو لا يزال يمشي أم استمر إلى نهاية الحلم دون انقطاع، فكل هذه الفروق تثري التأويل الرمزي وتجعله أقرب لحال الرائي الخاصة وظروفه، دون أن تكون قاعدة ثابتة تنطبق على الجميع بالتساوي والتطابق.
وفي النهاية، يبقى كل ما سبق اجتهاداً بشرياً ظنياً عرضة للخطأ والتصويب، لا ينبغي اتخاذه مرجعاً لقرار حياتي حاسم أو قطعاً بأمر غيبي لا يُعلم إلا بإذن الله، فالعلم عند الله وحده لا شريك له فيه. والأجدر بصاحب هذه الرؤيا أن يستبشر بالخير مع حسن الظن بربه، ويكثر من الدعاء والاستغفار، فإن ذلك خير زاد يواجه به الإنسان ما يراه في منامه من رؤى متفاوتة المعاني والدلالات.
وممن يعتني بهذا النوع من الرؤى بعض الباحثين المعاصرين في الرمزية الشعبية، الذين يرون أن تكرار رؤية الابتلال بالمطر أو المشي تحته أو الاحتماء منه أو مطر غزير عند شخص واحد خلال فترة قصيرة متقاربة قد يستحق تأملاً في حالته النفسية واليومية أكثر من البحث عن معنى غيبي ثابت، إذ قد تكون الرؤيا انعكاساً لما يشغل تفكيره في يقظته من آمال أو مخاوف، لا رسالة مستقلة عنه. ومهما تعددت الآراء واختلفت زوايا النظر فيها، يبقى الأصل أن هذه قراءات تقريبية مفتوحة، يحسن الانتفاع بجانبها المطمئن المشجع على التفاؤل، دون الانشغال الزائد بتفاصيلها إلى حد القلق أو الوسوسة، فالمؤمن يُحسن الظن بربه في كل ما يراه.
