المنام صور تتشكل من خواطر النفس ومشاعرها، وكثيرًا ما تتخذ فيه الأشياء صفات الأشخاص، فتنتظر وتستقبل وتدعو، وهذا من أسلوب الأحلام في التعبير. والحلم الذي يظهر فيه رمضان كأنه ينتظر الرائي يُقرأ قراءة هادئة بوصفه صورة رمزية، فهو لا يحمل رسالة ولا إشارة غيبية، وإنما يعكس شعور الرائي بأن الشهر مكان يحب أن يأتي إليه. وقد يكون صدى لشوق أو لاستعداد نفسي أو لرغبة في استقبال أيام أهدأ. وهذه القراءة اجتهاد عام يؤخذ منه ما يناسب وما سواه يُترك.
يرمز رمضان إلى الانضباط والصبر وصفاء القلب والتجدد، وإلى اجتماع الأسرة وكرم النفس. وحين يبدو منتظرًا في المنام فقد يعبر رمزيًا عن رغبة الرائي في أن يجد لنفسه مكانًا هادئًا ينتمي إليه، أو عن شوقه إلى أجواء مألوفة تستقبله. وقد يدل على شعور بالترحيب والألفة. وقد يعكس إحساسًا بأن الأيام تقترب منه كما يتمنى. وكلها احتمالات قراءة نفسية، فالحلم لا يوجه الرائي ولا يخبره بشيء.
قال الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (سورة النمل، الآية 65). وفي الآية تذكير بأن علم الغيب لله وحده، وفي هذا ما يذكّر بأن الحلم لا يُقدَّم رسالة غيبية ولا يُؤخذ على هذا الوجه. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان، متفق عليه، وفي ذلك ما يعلّم الرائي أن يستقبل المنام بهدوء ودون تهويل. ولا يُراد من هذا التوثيق تفسير الحلم، وإنما ضبط النظر إليه.
ذكر بعض المعبّرين في باب الأزمنة المباركة أن رؤيتها تُحمل غالبًا على الخير وصلاح الحال، وتتفاوت العبارات المتداولة بحسب المصادر. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن مثل هذه المنامات قد تدل على ميل النفس إلى الطاعة. ولا جزم في هذه الأقوال، فهي اجتهادات يختلف فيها المعبرون وقد يخطئون. وتصوير الشهر منتظرًا تفصيل لا يُحسم فيه بقول ثابت، فيبقى المرجع هو شعور الرائي وحاله.
وللسياق أثر في الفهم، فإن رأى الرائي الشهر ينتظره وهو مرتاح فقد يكون الحلم صدى لترحيب نفسي بالأجواء المقبلة. وإن رآه وهو مشغول فقد تكون النفس تذكّره بما يحب. وإن رآه وهو متردد في أمر فقد يعبر عن رغبته في سند هادئ. وإن رآه بين أهله فقد يكون الحلم حنينًا إلى لمة تنتظر. والمعتمد شعوره بعد الاستيقاظ، فالارتياح يقرأ بوجه، والانقباض يقرأ بوجه آخر.
أما نوع الرائي، فمن يرى هذا المشهد قد يكون محبًا للمواسم الطيبة، أو في مرحلة يتوق فيها إلى الاستقرار. وقد يرتبط الحلم عنده بمعاني التأهب النفسي وحسن الاستقبال للأيام. وقد يعبر عن رغبته في أن يجد مكانًا دافئًا بين أحبته. ولا يُربط المنام بموعد أو حدث، ولا يُجعل إخبارًا عن شيء مقبل، فذلك أمر لا يعلمه إلا الله.
وتتنوع التفاصيل، فمن رأى الشهر يقف عند الباب مبتسمًا فالصورة أقرب إلى الترحيب، ومن رأى مائدة مجهزة تنتظر جلوسه فهي صورة للكرم والأنس. ومن رأى هلالًا يلوح في الأفق كأنه يدعوه فالصورة تميل إلى البداية الهادئة. ومن رأى بيتًا مفتوحًا مضاءً فقد يعبر ذلك عن السكينة. وكل تفصيل يُقرأ بحسب إحساس الرائي، فالمنام قد يحتمل أكثر من وجه.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بقيمة الاستعداد النفسي الهادئ للأيام الجميلة، كترتيب الوقت وتهيئة البيت وتنظيم الالتزامات. ويمكن للرائي أن يكتب ما يود أن يفعله بهدوء وأن يشرك أسرته في التحضير. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن كان القلق أو الترقب مستمرين ويؤثران في أيامه فمن الخير أن يتحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الثقات. فالاستعداد المعتدل أريح من الترقب المتوتر.
ويحسن بالرائي أن يأخذ الحلم بوصفه صورة لطيفة لا بوصفه استدعاءً، فالأحلام لا توجه الإنسان ولا تأمره. وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى الرؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب، متفق عليه. وفي ذلك أدب يحفظ للرؤيا لطفها ويمنع الجدل حولها. وإن أزعجه شيء فيها استعاذ بالله وتجاوزه، وإن أسعده حمد الله وأحسن الظن به.
وتبقى الرؤيا في النهاية إشارة رمزية قابلة لأكثر من وجه، ولا يُبنى عليها توقع ولا قرار. فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب وحسن الظن بربه، والمنام لا يغني عن ذلك. وخير ما يحمله الحلم أن يذكّر بمعنى الاستعداد والصبر والصفاء، وهي معانٍ يمكن أن تُعاش في الأيام كلها. وهذا هو الأقرب لما يوحي به الرمز.
وختامًا، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يدعو الله بالخير والتوفيق وأن يحسن الظن بربه في أموره كلها. فالرؤيا لا تُنتظر منها أحداث ولا تُبنى عليها وعود، والله تعالى أعلم.
