من رأى في منامه الصدقة في رمضان، فأعطى بيده أو وزّع طعامًا أو تصدق بشيء يحبه، فقد رأى مشهدًا يحمل معنى الكرم وسعة الصدر. والعطاء في الأحلام يعبّر عادة عن ميل الإنسان إلى الإحسان وعن رغبته في أن يكون نافعًا. وهذا التأويل رمزي لا يُجزم به، ويتأثر بحال الرائي وتفاصيل ما رأى. فليُقرأ ما يلي بتأنٍّ، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ.
العطاء رمز في عمومه إلى الكرم وإلى تخفف النفس من التعلق الزائد بما في اليد. وإذا اجتمع مع رمضان اجتمعت معه معاني الانضباط والصبر والصفاء واجتماع الأسرة والتجدد. فاليد الممدودة بالعطاء قد ترمز إلى الانفتاح على الآخرين، والطعام الموزع إلى المشاركة، والمال الذي يُوضع في يد المحتاج بلطف إلى الستر وحفظ الكرامة. أما سرور المعطي في الحلم فقد يشير إلى راحة النفس حين تبذل.
وقد ورد في الصحيحين، بمعناه، أن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان (متفق عليه). وفي هذا ما يذكّر بمكانة الكرم في هذا الشهر وبأن العطاء فيه يتخذ طابعًا خاصًا من البشاشة واللين. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحلم بذاته ولا تقييمًا لأحد. ويكفي القارئ أن يتأمل جمال الجود حين يقترن بالتواضع والبشر.
ذكر بعض المعبّرين في باب الإنفاق والعطاء أنه يدل على الخير والبركة في المعاملات، ويُذكر عن بعضهم أن توزيع الطعام يدل على اجتماع القلوب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن البذل يعبّر عن سعة النفس. وقد اختلف المعبّرون في تفاصيل ذلك، ولا يُقطع بصحة نسبة كل قول إلى قائله. فتُقرأ هذه الآراء بحذر ولا تُبنى عليها وعود ولا نتائج.
وللسياق أثره. فإن كان العطاء في الحلم هادئًا خفيًّا بلا استعراض، فالمعنى أقرب إلى الصفاء وسلامة القصد. وإن كان فيه تردد أو شعور بالضيق أو انشغال بنظرة الآخرين، فقد يعبّر عن صراع داخلي بين الرغبة في العطاء والخوف من التقصير. ويفرق أيضًا أن يعطي الرائي الطعام أم المال أم الوقت، فالطعام أقرب إلى المشاركة، والمال إلى الستر، والوقت إلى الحضور بجانب الآخرين.
ويختلف المعنى باختلاف الرائي. فمن اعتاد الإحسان قد يكون حلمه امتدادًا لعاداته، ومن لم يجد فرصة قد يعبّر الحلم عنده عن رغبته. والأم قد ترى فيه رغبتها في تعليم أولادها البذل، والشاب قد يرى فيه رغبة في مساعدة من حوله، والمعلم قد يرى فيه معنى العطاء بالعلم. وكل هذه احتمالات تدور في فلك الحياة اليومية ولا تلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ما يلفت: كيس طعام يُسلَّم بابتسامة، أو ظرف صغير يُترك عند باب، أو سلة تمر تُعبّأ، أو يد تصافح يدًا. العطاء السري قد يُقرأ على أنه ميل إلى التواضع، والعطاء العلني على أنه مشاركة للفرح، وتوزيع التمر عند المغرب على أنه دعوة إلى الألفة. أما من وجد نفسه عاجزًا عن العطاء في الحلم فقد يعبّر ذلك عن إحساس عابر بقلة الوقت، ولا يدل على شيء آخر.
ومن الجانب النفسي قد يعبّر هذا الحلم عن حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأن له أثرًا إيجابيًا، فهذا من أسباب الرضا. ويمكن للرائي أن يتأمل بصدق ما يستطيع أن يقدمه من وقت أو كلمة أو مساعدة بسيطة دون إرهاق. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر معه ضيق أو شعور بالذنب فليتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله الثقات.
ومما يحسن ذكره أن الصدقة لا تقتصر على المال، فالكلمة الطيبة صدقة كما ورد في الحديث المتفق عليه. وفي هذا ما يوسع معنى العطاء ليشمل كل ما يُدخل السرور على القلوب بلا كلفة. وللرائي أن يأخذ من حلمه صورة جميلة تذكّره بذلك، فلا ينشغل بتفاصيل المقدار ولا يقارن نفسه بغيره. كما أن في صورة العطاء في الحلم ما يذكّر بالوجوه التي ابتسمت حين استلمت ما قُدّم لها، وهي ذكرى كثيرًا ما تبقى في النفس طويلًا. ومن الجميل أن يحتفظ الرائي بهذه الصورة، فيجعلها حافزًا هادئًا على البشاشة واللطف في تعامله اليومي مع أهله وجيرانه وزملائه، دون تكلف أو انتظار مقابل. وإذا مرّ بالرائي طيف هذا المشهد عند الاستيقاظ فليبتسم له، وليجعل منه تذكيرًا لطيفًا بقيمة اليد التي تعطي بلا ضجيج، ولا يجعله ميزانًا يحاسب به نفسه. فالعطاء الصادق في أصله خفيف على القلب، لا يتطلب إعلانًا ولا مقارنة.
وفي الختام فما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُستنتج من الحلم مصير ولا نتيجة. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعه بالتوفيق والقبول. ومن رأى ما يحب فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا.
