من رأى في منامه موائد الرحمن في رمضان، من موائد طويلة تُمدّ في الطريق ومن يتطوعون يوزعون الوجبات وجموع تجلس كتفًا إلى كتف، فقد رأى مشهدًا اجتماعيًا مليئًا بالدفء. وهذه الصورة تعبّر في الأحلام غالبًا عن شعور الإنسان بالانتماء وعن حنينه إلى مشاركة الفرح. والرؤيا رمزية لا تُجزم، وتختلف دلالتها بحسب حال الرائي وتفاصيل ما رأى. فليُقرأ ما يلي بتؤدة، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ فقط.
المائدة الممتدة رمز في عمومه إلى الاجتماع والمساواة، فالجميع يجلس في صف واحد ويتناول من الطعام ذاته. وإذا اقترن ذلك برمضان اجتمعت معه معاني الكرم والصبر والصفاء واجتماع الأسرة والتجدد. فالموائد الطويلة قد ترمز إلى اتساع الصدر والرغبة في استيعاب الجميع، والجلوس المتجاور إلى تقارب القلوب، والأيدي المتعاونة إلى الانسجام بين أفراد الفريق. أما أصوات الأحاديث الخفيفة فقد تشير إلى بهجة الألفة.
ومما يُذكر في فضل الإطعام قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ (سورة الإنسان، الآية 9). وفي هذا ما يذكّر بنقاء القصد في العطاء وبأن أجمل صور الإطعام ما كان خاليًا من انتظار الشكر. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحلم بذاته. ويكفي أن يتأمل القارئ هذه الصورة من الإخلاص الهادئ.
ذكر بعض المعبّرين في أبواب الولائم والموائد أنها تدل على الاجتماع والمعاش، ويُذكر عن بعضهم أن المائدة الجامعة تدل على الألفة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن الدعوة إلى الطعام تعبّر عن الود والتواصل. ولكن المعبّرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، وما نُسب إليهم لا يُجزم بثبوته. فتُقرأ هذه الآراء بوصفها لمحات من تراث واسع، ولا يُقام عليها قطع.
وللسياق أثر كبير. فإن كانت الموائد في الحلم منظمة هادئة والجميع يجلس في راحة، فالمعنى أقرب إلى الاطمئنان والتآلف. وإن كان فيها زحام أو ضجيج أو شعور بالضيق، فقد يعبّر الحلم عن انشغال الرائي بكثرة ما حوله أو عن رغبته في هدوء أكبر. ويفرّق أن يكون الرائي ضيفًا أم مضيفًا أم متطوعًا، فالضيف أقرب إلى الاستقبال والامتنان، والمضيف إلى المسؤولية والبذل، والمتطوع إلى التعاون في العمل المشترك.
ويختلف الأمر بحسب الرائي. فمن يعمل في ميدان التطوع قد يكون الحلم صدى لانشغاله، ومن يعيش وحيدًا قد يعبّر الحلم عنده عن اشتياق إلى مجلس جامع. والمغترب قد ترتبط الصورة عنده بمائدة مألوفة تركها خلفه، والأم قد ترى فيها اجتماع أولادها. وليست هذه أكثر من احتمالات قريبة من القلب والحياة.
وتتعدد التفاصيل: طاولة طويلة تحمل أطباقًا متشابهة، ولافتة بسيطة، وأطفال يجرون بين الحاضرين، وأصوات الأذان تعلو فجأة فتسكن الأحاديث. سكون الجميع عند الأذان قد يُقرأ على أنه إحساس بالوحدة في الوقت الواحد، والأطفال المنطلقون على أنهم مرح وبراءة، واللافتة البسيطة على التواضع. ومن شعر بأنه غريب بين الحاضرين فقد يعبّر ذلك عن حاجة إلى مزيد من الألفة لا أكثر.
ومن الجانب النفسي قد يظهر الحلم حين يكون الإنسان متعطشًا للانتماء أو حين يتذكر مشهدًا اجتماعيًا مؤثرًا. وللرائي أن يتأمل أي علاقة في حياته تحتاج إلى مزيد من القرب، وأي دعوة صغيرة يستطيع أن يقدمها لأقرانه أو جيرانه. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمرت معه وحدة أو حزن فليتحدث إلى مختص أو أحد أهله الثقات.
ومما يحسن ذكره أن المائدة المشتركة تُعلّم أن الفرح يكبر حين يُقسم، وأن الجلوس مع الآخرين يخفف كثيرًا من ثقل الأيام. وقد يرى الرائي هذه الصورة لأنها تجمع في ذاكرته ما يحب من أصوات وروائح ووجوه. فليكتف بما تبعثه في نفسه من دفء، وليتذكر أن لكل مشهد من هذا النوع وقعًا مختلفًا من شخص لآخر، فلا يُلزم بمعنى واحد. وقد يكون في الحلم أيضًا تذكير بأن الجلوس مع الجميع على مائدة بسيطة يزيل كثيرًا من الفروق الظاهرة، ويترك مكانها شعورًا بالتساوي والرضا. وحسن أن يحتفظ الرائي بهذا المعنى هادئًا في قلبه، وأن يترجمه في أيامه إلى لين في التعامل واحترام لكل من يلقاه، بلا تكلف ولا استعراض.
وبعد، فما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُعدّ الحلم خبرًا بما هو قادم. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعه بالخير له ولأهله. ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يكرهه فليستعذ بالله من شره ولا يجعله شاغلًا لفكره.
