من رأى في منامه إطعام الصائمين في رمضان، فأعدّ وجبات أو ناول تمرًا وماءً قبيل المغرب أو وقف عند مائدة جماعية يقدّم الطعام للحاضرين، فقد رأى مشهدًا يفيض بالمشاركة والبشاشة. وتقديم الطعام في الأحلام يعبّر عادة عن ميل الإنسان إلى الاهتمام بمن حوله وإدخال السرور عليهم. والرؤيا رمزية لا يُجزم بمعناها، ويتفاوت تأويلها بحال الرائي وتفاصيل ما رأى. فليُقرأ ما يلي بهدوء، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ فقط.
الطعام في عمومه رمز للعناية والمشاركة، والتقديم به يعبّر عن الرغبة في الإسهام في راحة الآخرين. وإذا اقترن برمضان اجتمعت معه معاني الكرم والصبر والصفاء واجتماع الأسرة والتجدد. فالطبق الذي يُقدّم عند اقتراب المغرب قد يرمز إلى المبادرة في الوقت المناسب، والتمر والماء إلى البساطة الجميلة في العطاء، والمائدة الجماعية إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة. أما الابتسامة التي تصاحب التقديم فقد ترتبط بدفء العلاقات.
وقد وصف الله تعالى بعض عباده بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (سورة الإنسان، الآية 8). وفي هذا ما يذكّر بقيمة الإطعام بوصفه خلقًا كريمًا يقوم على الرحمة. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحلم بذاته ولا ادعاءً بشيء عن الرائي. ويكفي القارئ أن يتأمل بساطة هذه الصورة وجلالها معًا.
ذكر بعض المعبّرين في باب الطعام أنه يدل على المعاش والمنفعة، ويُذكر عن بعضهم أن الإطعام يدل على الإحسان وعلى صلة الود. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن تقديم الطعام يعبّر عن الألفة والتودد. وقد تباينت أقوال المعبّرين في هذا الباب، ولا يُقطع بنسبة كل قول إلى قائله. فيؤخذ ذلك على أنه تراث يُنقل بحذر، ولا يُجعل أساسًا لقرار أو لتوقع.
وللسياق أثره في ترجيح المعنى. فإن كان الإطعام في الحلم سلسًا بلا ازدحام ولا توتر، فالمعنى أقرب إلى الطمأنينة والبهجة. وإن شعر الرائي بالارتباك أو بنفاد الطعام قبل أن يكفي الجميع، فقد يرتبط ذلك بقلق من التقصير أو بكثرة المطالب عليه. ويفرّق أيضًا أن يكون المقدّم صغيرًا أم كبيرًا، وأن يكون الضيوف من الأهل أم من الغرباء، فالأول أقرب إلى الألفة والثاني إلى الانفتاح.
ويختلف الأمر بحسب الرائي. فربة البيت قد يكون حلمها امتدادًا لانشغالها بإعداد المائدة، والشاب الذي يشارك في توزيع الوجبات قد يعبّر الحلم عنده عن حماسه. والطفل الذي يحمل الطبق إلى جاره قد ترتبط الصورة عنده بالفخر الصغير، وكبير السن قد يستعيد بها ذكريات الأيام القديمة. ويبقى كل ذلك احتمالات قريبة من الحياة، لا قوالب جاهزة تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ما يستحق التأمل: صينية تدور بين الحاضرين، أو قدر كبير يُغرف منه، أو أكياس تمر موضوعة على طاولة، أو أيدٍ كثيرة تتعاون. التعاون في الحلم قد يُقرأ على أنه ميل إلى العمل الجماعي، والقدر الكبير على أنه سعة الاستعداد، والأكياس الصغيرة على أن الخير يتحقق بالقليل المتتابع. ومن رأى نفسه جالسًا يتأمل المشهد من بعيد فقد يعبّر ذلك عن رغبة في المشاركة لم تجد مجالها بعد.
ومن الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم حين يشعر الإنسان بحاجة إلى أن يكون نافعًا، أو حين يتذكر مشهدًا رآه في الطريق أو شارك فيه. والنوم يعيد صياغة هذه الصور بما فيها من دفء. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه عن أبسط صور المشاركة التي تناسب وقته وطاقته، فلا يرهق نفسه ولا يقارنها بغيره. وليس في هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن لازمه حزن أو ضيق مستمر فليتحدث إلى مختص أو أحد أهله الثقات.
ومما يحسن ذكره أن الإطعام لا يُقاس بكثرة الأطباق، فقد تكفي تمرة وكوب ماء وكلمة طيبة لتبقى في الذاكرة زمنًا طويلًا. وهذه الصورة قد تجد في الحلم مكانًا لها لأنها ارتبطت بالمشاعر الدافئة. وللرائي أن يكتفي بما يتركه المشهد في نفسه من بشاشة، وأن يترجم ذلك في اليقظة إلى لطف بسيط مع من حوله، دون انتظار مقابل ودون مبالغة. وفي حضور الأهل أو الجيران حول المائدة ما يجعل للمشهد طعمًا خاصًا، فالطعام يزداد قيمة حين تحيط به الوجوه المحبة، وهذا معنى يتكرر في ذاكرة كل من اعتاد الاجتماع في هذا الشهر.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا يُستخرج من الحلم علم بما سيكون. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعه بالتوفيق والخير. ومن رأى ما يحب فليحمد الله عليه، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا.
