من رأى في منامه الدعاء في رمضان، فرفع يديه أو همس بكلمات خاشعة أو سمع جماعة تؤمّن خلف داعٍ، فقد رأى مشهدًا يفيض بالرجاء والسكينة. والدعاء في الأحلام يُقرأ عادة على أنه تعبير عن حاجات النفس وآمالها، وعن علاقتها بربها. وهذه القراءة رمزية لا يُجزم بها، وهي تتفاوت بتفاوت حال الرائي وما رأى من تفاصيل. فليأخذ القارئ منها ما يطمئن إليه، ويدع ما لا يوافق حاله.
الدعاء رمز في عمومه إلى الرجاء والافتقار الجميل إلى الله، وإلى حاجة الإنسان إلى من يلجأ إليه. ويضيف رمضان معاني الصبر والصفاء والانضباط والتجدد، فيصبح المشهد صورة للقلب وهو يتهيأ ويرتب ما في داخله. ورفع اليدين قد يعبّر عن الانكسار اللطيف والتسليم، والهمس عن الخصوصية، والتأمين الجماعي عن شعور الأنس بالجماعة. أما الدمعة الهادئة فقد ترمز إلى تخفف الصدر مما فيه.
وقد ذكر الله تعالى قربه من عباده في سياق آيات الصيام، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة، الآية 186). وفي هذا ما يذكّر بمعنى القرب والطمأنينة في الدعاء. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحلم بذاته ولا وعدًا بشيء للرائي. ويكفي أن يتأمل القارئ كيف جاءت هذه الآية بين آيات الشهر لتذكّر بصلة القلب بخالقه.
ذكر بعض المعبّرين في باب الدعاء أنه يدل على الرجاء وحسن الظن، ويُذكر عن بعضهم أن رفع اليدين يدل على حاجة وطلب. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن الدعاء يعبّر عن اللجوء إلى الله والتعلق به. واختلف المعبّرون في تفاصيل هذا الباب، فلا يُجزم بنسبة كل ما رُوي إليهم. فتُقرأ هذه الأقوال بوصفها اجتهادات قديمة تُنقل بحذر، ولا يُبنى عليها أمر.
وتتفاوت المعاني بحسب السياق. فإن كان الدعاء في الحلم هادئًا واثقًا، فالمعنى أقرب إلى الطمأنينة وحسن الظن. وإن كان مفعمًا بالإلحاح والحيرة، فقد يعبّر عن توتر أو عن كثرة ما يشغل الرائي من أمور تحتاج إلى ترتيب. ويفرّق أن يكون الدعاء في مكان مألوف كالبيت أو المسجد أو في مكان غريب، فالأول أقرب إلى الألفة والثاني إلى الحاجة إلى أمان.
ويختلف الأمر بحسب الرائي. فمن يمر بفترة انشغال أو قلق قد يكون الحلم صدى لما يحمله في قلبه، ومن يعيش أيامًا هادئة قد يعبّر الحلم عنده عن شكر. والوالدة قد ترى فيه معنى الدعاء لأهلها، والشاب معنى الاستعانة على أمر يشغله، والمسن معنى الامتنان لما مضى. وهذه كلها احتمالات قريبة من النفس لا أكثر.
وتتعدد التفاصيل: يد ترتعش خفيفًا وهي ترتفع، أو صوت منخفض لا يُسمع، أو جماعة تقول آمين، أو سجادة مبللة بالدمع، أو دعاء مكتوب في ورقة صغيرة. الصوت المنخفض قد يُقرأ على أنه ميل إلى الخلوة، والورقة المكتوبة على أنها محاولة لترتيب الحاجات في الذهن، والجماعة المؤمّنة على أنها رغبة في الشعور بالأنس. ولا يُحمل شيء من هذه التفاصيل على أنه خبر عن استجابة أو غيرها.
ومن الجانب النفسي قد يظهر الدعاء في الحلم حين يمتلئ القلب بحاجات لم تُقل، فيجد النوم لها مخرجًا في صورة رمزية. وقد يكون من المفيد أن يكتب الرائي ما في صدره بعد استيقاظه ويتأمله بهدوء، أو أن يحدّث أحدًا يثق به. وليس في هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بقلق ممتد أو حزن ثقيل فالأولى أن يتحدث إلى مختص أو أحد أهله.
ومما يُضاف أن الدعاء في ذاكرة الإنسان مرتبط بالأوقات الهادئة قبل المغرب وفي آخر الليل، وهي أوقات يصفو فيها الذهن. فإذا رأى الرائي هذه الأجواء في منامه فقد يكون دماغه يستدعي ما اعتاد عليه من سكينة. وللرائي أن يكتفي بهذا المعنى اللطيف، فلا يفتش عن أكثر منه، ولا يربط الحلم بحدث أو طلب محدد. ومن الحسن أن يخصص الرائي بعد استيقاظه دقائق هادئة يجلس فيها مع نفسه، فيتأمل ما يشغله ويرتب أولوياته، بلا إرهاق ولا تكلف. وإذا كان الدعاء في حلمه لأجل أحد من أهله، فقد يكون ذلك دليلًا على اهتمامه بهم وحرصه عليهم، وهو شعور جميل يمكن أن يُترجم إلى كلمة طيبة أو اتصال هادئ في اليقظة.
وبعد، فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُنتظر من الحلم علم بما سيحدث. فليدعُ الرائي ربه بما يحب من الخير، وليحسن الظن به سبحانه. ومن رأى ما يحب فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يشغل به قلبه.
