من رأى في منامه الحلويات الرمضانية، فشاهد صواني القطايف والكنافة والبسبوسة وأطباق التمر المحشو أو شمّ رائحة السكر والقرفة تفوح في المكان، فقد رأى مشهدًا يحمل بهجة وألفة. والحلوى في الأحلام تعبّر عادة عن حاجة النفس إلى الدفء والمكافأة اللطيفة وإلى ذكريات الطفولة. والرؤيا رمزية لا يُجزم بمعناها، وتتفاوت بحال الرائي وتفاصيل ما رأى. فليُقرأ ما يلي بهدوء، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ فقط.
الحلويات في عمومها رمز للفرح والمودة وطيب العيش في الصورة الذهنية، ولارتباطها بالضيافة تقترن بالأسرة والاجتماع. وإذا اجتمعت مع رمضان اجتمعت معها معاني الكرم والصبر والصفاء واجتماع الأسرة والتجدد. فالقطايف المحشوة قد ترمز إلى ما يُدّخر من لطف في الداخل، والكنافة الذهبية إلى دفء المائدة، والقطر الحلو إلى رقة العلاقات. أما التقاسم بين الحاضرين فقد يعبّر عن حب المشاركة.
ومما يُذكر في باب الاعتدال قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 31). وفي هذا ما يذكّر بقيمة التوازن في النعم، وبأن جمال المائدة في اعتدالها وحسن قسمتها. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحلم بذاته ولا تقييمًا لحال الرائي. ويكفي القارئ أن يتأمل جمال الاعتدال في كل شيء، ومنه الحلوى.
ذكر بعض المعبّرين في باب الحلو والعسل أنه يدل على حلاوة المعاملة وطيب القول، ويُذكر عن بعضهم أن الحلويات تدل على السرور. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن الحلو في المنام يعبّر عن لين الكلام وحسن العشرة. وقد اختلف المعبّرون في تفاصيل ذلك، ولا يُقطع بنسبة كل ما رُوي إليهم. فتُؤخذ هذه الآراء بحذر على أنها تراث يُستأنس به، لا قواعد ثابتة.
وللسياق أثر في ترجيح المعنى. فإن كانت الحلوى في الحلم شهية طازجة تُقدَّم في جو دافئ، فالمعنى أقرب إلى البهجة والرضا. وإن كانت فاسدة أو شديدة الحلاوة حتى يثقل تناولها، أو بدت كثيرة تفوق الحاجة، فقد يعبّر ذلك عن رغبة في بساطة أكبر أو عن شعور بالإفراط في أمر ما. ويفرّق أيضًا أن يكون الرائي هو من أعدّها أم تلقاها هدية، فالأول أقرب إلى المبادرة والإتقان، والثاني إلى الامتنان.
ويختلف الأمر بحسب الرائي. فالطفل ترتبط الحلوى عنده بالفرحة الخالصة، والأم بانشغالها بإعدادها وتقديمها، والشاب بذكريات اجتماع الأصدقاء. وكبير السن قد يستعيد بها أيامًا قديمة كان فيها الحلو نادرًا فيُنتظر بشوق. وكلها احتمالات قريبة من الحياة اليومية، لا أكثر.
وتتعدد التفاصيل: صينية كبيرة تخرج من الفرن بلون ذهبي، أو قطر يُسكب بهدوء، أو طبق يُقدَّم للضيوف، أو يد صغيرة تمتد خلسة لتأخذ قطعة. الصينية الخارجة من الفرن قد تُقرأ على أنها ثمرة جهد، والقطر المسكوب على رقة التعامل، واليد الصغيرة على مرح بريء. أما رؤية الحلوى دون القدرة على تناولها فقد تعبّر عن اشتياق عابر، ولا تدل على شيء مما سيكون.
ومن الجانب النفسي قد تظهر الحلويات في الحلم حين تشتاق النفس إلى مكافأة أو راحة بعد يوم شاق، أو حين يتذكر الإنسان رائحة ارتبطت بدفء البيت. والذاكرة الحسية قوية في الأحلام، فتعيد الروائح والطعوم في صور مؤثرة. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه كيف يكافئ نفسه بلطف في أيامه. والحلم ليس نصيحة طبية أو غذائية أو نفسية، ومن لازمه ضيق أو قلق فالأولى أن يتحدث إلى مختص أو أحد أهله.
ومما يحسن ذكره أن الحلوى في هذا الشهر ترتبط بالاجتماع أكثر من ارتباطها بالطعم، فهي تقدّم بعد الحديث وتُمرَّر بين الأيدي وتُحفظ في الذاكرة مع أصحابها. فإذا رأى الإنسان هذا المشهد فقد يكون حنينه إلى اللمّة هو المعنى الأقرب. فليأخذ منه ما يشيع الدفء في نفسه، وليترك ما لا يعنيه، وليتذكر أن بساطة التقديم لا تنقص من جمال المشهد شيئًا. ولعل في الحلم أيضًا دعوة لطيفة إلى تذوق الأشياء بتمهل، فالحلاوة الحقيقية تظهر حين يجلس الإنسان إلى مائدته غير مستعجل، ويشارك من حوله حديثًا وابتسامة قبل أن يشاركهم الطعام. وقد تكون هذه الصورة تذكيرًا بما يحبه الرائي من عادات أسرته، فيحرص على حفظها ونقلها إلى الصغار بلا تكلف.
وفي الختام فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُنتظر من الحلم خبر عما سيأتي. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعه بالخير والتوفيق. ومن رأى ما يحب فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا.
