من رأى في منامه صلاة التراويح في رمضان، من صفوف تقف خلف الإمام في ليل هادئ وتلاوة تتهادى في أرجاء المسجد، فقد رأى مشهدًا تتداخل فيه معاني الصبر والسكينة. والرؤيا لغة رمزية تعيد صياغة المشاهد المألوفة بحسب مشاعر صاحبها. ولا يُراد بما يلي الجزم بمعنى محدد، فهو اجتهاد في التأويل يحتمل الخطأ، ويتأثر بحال الرائي وما رأى من تفاصيل. فليُقرأ بتؤدة، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ فقط.
الوقوف في الصف خلف إمام واحد صورة تعبّر في عمومها عن الانتظام والتناسق، وتذكّر باجتماع القلوب على إيقاع واحد. ويضيف إليها رمضان معاني الانضباط والصبر والصفاء والتجدد. فطول الوقوف في الحلم قد يرمز إلى احتمال الجهد والمثابرة، والتلاوة المتواصلة إلى استقرار الداخل، والليل الهادئ إلى حاجة الإنسان إلى سكينة بعيدة عن صخب النهار. أما اتساق الحركة بين المصلين فقد يعبّر عن شعور بالتآلف وبأن الرائي ليس وحده.
ومما يرد في وصف عباد الرحمن قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَٰمًا﴾ (سورة الفرقان، الآية 64). وفي هذا ما يذكّر بقيمة الوقوف في هدأة الليل بين يدي الله، وبما في ذلك من خشوع وسكون. وهذا ربط عام بالمعنى لا أكثر، وليس تقييمًا لحال الرائي ولا تفسيرًا لحلمه. ويمكن للقارئ أن يتأمل معنى الليل الهادئ بوصفه فرصة للصفاء.
ذكر بعض المعبّرين في باب الصلاة أنها تدل على الاستقامة والالتزام بالعهود وعلى حسن الصلة بالله. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن الصلاة في الجماعة تدل على الاجتماع والائتلاف. واختلف المعبّرون في تفصيل ذلك، وما نُسب إليهم لا يُقطع بثبوته كله. فتُقرأ هذه الأقوال على أنها آراء قديمة تُنقل بحذر، لا قطعًا نهائيًا في حلم أحد.
وتلعب التفاصيل دورًا كبيرًا. فإن كانت الصفوف منتظمة والإمام هادئ الصوت والمكان مضيئًا، فالمعنى أقرب إلى الطمأنينة والانتظام. وإن شعر الرائي بالتعب أو بكثرة الحركة حوله أو بضيق الموضع، فقد يرتبط ذلك بانشغاله أو ضغط أيامه. ويفرّق أن يكون واقفًا في الصف الأول أم في آخره، أم خارج المسجد يسمع الصوت، فكل موضع يحمل شعورًا مختلفًا بين المشاركة والقرب والتأمل.
ويختلف الأمر بحسب الرائي. فمن يداوم على الذهاب إلى المسجد قد يكون الحلم انعكاسًا لعادته، ومن ينشغل بعمله ولا يجد وقتًا قد يعبّر الحلم عنده عن اشتياق إلى هذه الأجواء. والمرأة التي تتابع الصلاة من بيتها قد ترى فيه معنى الألفة التي تحيط بها، والشاب قد يرتبط عنده بذكريات الاجتماع مع أصحابه في الشهر. وهذه كلها احتمالات قريبة من الحياة، ولا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ما يثير التأمل: صوت الإمام وهو يرتّل، أو جماعة تغادر وتبقى أخرى، أو مصباح يتحرك ضوؤه على السجاد، أو طفل يجلس في ركن الصف. صوت التلاوة الحسن قد يُقرأ على أنه ميل إلى الجمال والهدوء، وانصراف الجماعة على أنه انتقال بين مرحلتين، وبقاء الرائي في مكانه على أنه رغبة في إكمال ما بدأ. ولا يُحمل شيء منها على أنه خبر.
ومن الجانب النفسي قد يعبّر هذا الحلم عن رغبة في الانتظام بعد فترة انشغال، أو عن حاجة إلى جلسة هدوء تُنهي يومًا ثقيلًا. وللرائي أن يسأل نفسه عن الإيقاع الذي يرتاح إليه في أيامه، وأن يفكر في أبسط الخطوات التي تعيد إليه هذا الإيقاع. وليس في هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بإرهاق أو قلق ممتد فليتحدث إلى مختص أو أحد أهله.
ومما يُضاف أن الإنسان قد يرى هذا المشهد لأن ذاكرته تحتفظ بصورة المسجد في الليل، بضوئه الخافت وسكونه، وهي صورة تمنح القلب راحة. وحين يستيقظ الرائي على هذه الراحة فقد يكفيه أن يحتفظ بها دون تحميلها أكثر مما تحتمل. وكل ما في الأمر أن الحلم استدعى مشهدًا محببًا إلى النفس. ولهذا حسن أن يكتفي الرائي بما يتركه المشهد في نفسه من هدوء، وأن يجعل منه دعوة إلى ترتيب وقته ومواعيده بما يريحه ويريح أهله، دون مبالغة ولا مقارنة بغيره.
وبعد، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، وقد يخطئ المؤوّل في فهم ما يرى. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا ينبغي أن يُنتظر من الحلم خبر عما سيأتي. فليحسن الرائي ظنه بربه وليدعه بالخير والتوفيق. ومن رأى ما يحب فليحمد الله عليه، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا.
