من رأى في منامه استقبال رمضان بالفرح، فشاهد نفسه أو أهله يتبادلون التهاني بقدوم الشهر ويعلقون الزينة ويهيئون البيت ويترقبون الهلال بوجوه مستبشرة، فقد رأى مشهدًا مفعمًا بالبهجة والأمل. وهذه الصورة في الأحلام تعبّر عادة عن حنين الإنسان إلى المعاني التي يحبها وعن استعداده الداخلي لها. والرؤيا رمزية لا يُجزم بها، وتتفاوت بحال الرائي وتفاصيل ما رأى. فليُقرأ ما يلي بهدوء، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ فقط.
الفرح بقدوم زمن محبوب رمز في عمومه للتجدد والأمل واستعداد القلب لمرحلة جديدة. وإذا اقترن برمضان اجتمعت معه معاني الانضباط والصبر والصفاء واجتماع الأسرة والكرم. فترقب الهلال قد يرمز إلى انتظار بداية جديدة، وتهيئة البيت إلى رغبة في ترتيب الحياة، وتبادل التهاني إلى صفاء العلاقات. أما شعور الخفة في الصدر فقد يعبّر عن تفاؤل هادئ بما هو آتٍ من أيام.
وقد ورد في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة وغُلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين» (رواه مسلم). وفي هذا ما يذكّر بما يحمله هذا الشهر في الذاكرة الإسلامية من معاني الخير والإقبال. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس فيه تبشير للرائي بشيء ولا تقييم لحاله ولا تفسير لحلمه بذاته. ويكفي القارئ أن يتأمل مكانة الشهر في القلوب وما يبعثه من أمل هادئ.
ذكر بعض المعبّرين في باب الأهلّة والمواسم أنها تدل على بدايات جديدة وتجدد الأحوال، ويُذكر عن بعضهم أن الفرح بقدوم زمن طيب يدل على صفاء النفس. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن الاستعداد للمواسم يعبّر عن حسن التهيؤ. وقد اختلف المعبّرون في تفاصيل ذلك، ولا يُقطع بنسبة كل ما رُوي إليهم. فتُقرأ هذه الآراء بحذر على أنها تراث عام يُستأنس به لا أكثر.
وللسياق أثر كبير في فهم المعنى. فإن كان الفرح في الحلم هادئًا صافيًا والوجوه مطمئنة، فالمعنى أقرب إلى الرضا والترقب الجميل. وإن شابه تعجل أو قلق من ألا تكتمل الاستعدادات، فقد يعبّر عن رغبة صادقة في أن تسير الأمور على أحسن حال. ويفرّق أن يكون الاستقبال في البيت أم في الشارع أم عند المسجد، فكل مكان يضيف لونًا مختلفًا من الألفة أو الانتماء أو الصفاء.
ويختلف التأويل بحسب الرائي. فالطفل ترتبط عنده الصورة بالفوانيس والعيدية والمرح، والأم بتجهيز البيت والمؤن وترتيب الأمور، والشاب بذكريات الاجتماع بالأصدقاء. والمغترب قد يعبّر الحلم عنده عن اشتياق إلى أجواء بلده، وكبير السن يستعيد به مواسم قديمة. وكلها احتمالات قريبة من الحياة اليومية، لا قوالب يُلزم بها أحد.
وتتعدد التفاصيل: أصوات تهنئة تتردد في الأزقة، أو طاولة تُجهّز بالتمر والماء، أو جدران تُزين بالورق الملون، أو أيدٍ ترتفع نحو السماء تبحث عن الهلال، أو رسالة تهنئة ترد على الهاتف. تبادل التهاني قد يُقرأ على أنه صفاء اجتماعي، وتجهيز الطاولة على حسن الاستعداد، والبحث عن الهلال على ترقب هادئ. وإذا اختلط الفرح بشيء من الرهبة اللطيفة فهو شعور مألوف عند الاقتراب من زمن عزيز.
ومن الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم حين يشتاق الإنسان إلى إيقاع هادئ منتظم بعد أيام من الفوضى، أو حين يستعيد ذكريات الاستعداد في طفولته. ويمكن للرائي أن يتأمل ما يحب أن يهيئه لنفسه ولأهله: ترتيب بسيط للوقت، أو جلسة أسرية، أو التخلص مما يشغله بلا فائدة. وليس في هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن لازمه قلق أو ضيق مستمر فالأولى أن يتحدث إلى مختص أو أحد أهله الثقات.
ومما يحسن ذكره أن الفرح بقدوم الشهر ليس في كثرة الأضواء والزينة وحدها، بل في ذلك الإحساس الداخلي بأن الأيام القادمة فرصة لهدوء وصفاء. وقد يرى الإنسان هذا المشهد لأن قلبه يتشوق إلى ذلك الإحساس، فيصنع له النوم صورة جميلة. فليأخذ من الحلم هذه البهجة الهادئة، وليحرص على أن تبقى حاضرة في تعامله مع أهله، دون أن يربط الحلم بتوقع لما سيأتي أو يقارن حاله بحال غيره. ومن الجميل أن يشارك الرائي أهله هذه البهجة بكلمة طيبة أو ترتيب بسيط يهيئ الأجواء، فالفرح حين يُقسم يزداد دفئًا، وتتحول صورة الحلم إلى عادة هادئة في البيت. وليس عليه أن يبحث عن معنى أبعد من ذلك، فبعض الأحلام لا تعدو أن تكون ابتسامة للقلب.
وفي الختام فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُنتظر من الحلم خبر عما سيأتي. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعه بالخير والتوفيق في أيامه كلها. ومن رأى ما يحب فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا.
