من رأى في منامه رمضان والعمل، فشاهد نفسه في مكتبه أو متجره أو مدرسته في أيام الشهر وقد تبدل إيقاع الدوام وتغيرت ساعات اليوم وصار للمكان هدوء مختلف، فقد رأى مشهدًا يجمع الجد بالسكينة. والعمل في الأحلام يعبّر عادة عن علاقة الإنسان بمسؤولياته وبما يبذله من جهد. والرؤيا رمزية لا يُجزم بها، وتتفاوت بحال الرائي وتفاصيل ما رأى. فليُقرأ ما يلي بهدوء، وليؤخذ منه ما يوافق حال القارئ فقط.
العمل في عمومه رمز للسعي والمسؤولية والاجتهاد في الحياة. وإذا اقترن برمضان اجتمعت معه معاني الانضباط والصبر والصفاء واجتماع الأسرة والكرم والتجدد. فتبدل ساعات الدوام قد يرمز إلى قدرة الإنسان على التكيف، والهدوء في المكتب إلى رغبة في صفاء الذهن، والتعاون بين الزملاء إلى تآلف الجماعة. أما الاستعجال في إنهاء المهام قبل الغروب فقد يعبّر عن حرص على ألا يفوته ما يريد.
ومما يتصل بمعنى الطاقة والجهد قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة، الآية 286). وفي هذا ما يذكّر بأن الرفق بالنفس في ما تحمله من أعباء معنى كريم، وبأن الاعتدال في الجهد خلق حسن. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحلم بذاته ولا تقييمًا لعمل الرائي أو لحاله. ويكفي القارئ أن يتأمل جمال الاتزان بين السعي والراحة.
ذكر بعض المعبّرين في باب الأعمال والمهن أنها تدل على المعاش والسعي، ويُذكر عن بعضهم أن الانشغال بالعمل في المنام يدل على ما يشغل ذهن صاحبه. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما تتداوله كتب التعبير إلى أن الأعمال تعبّر عن حال الإنسان في سعيه. وقد اختلف المعبّرون في تفاصيل ذلك، ولا يُقطع بنسبة كل ما رُوي إليهم. فتُؤخذ هذه الآراء بحذر على أنها تراث عام، ولا تُبنى عليها وعود ولا توقعات.
وللسياق أثر في ترجيح المعنى. فإن كان العمل في الحلم منظمًا هادئًا مع زملاء متعاونين، فالمعنى أقرب إلى الاتزان والرضا. وإن كان مرهقًا مكتظًا بالمهام التي لا تنتهي أو بتأخر عن مواعيد، فقد يعبّر عن ضغط في الحياة اليومية يحتاج إلى ترتيب أو إلى مشاركة. ويفرّق أن يكون الرائي في عمله المعتاد أم في عمل جديد، فالأول أقرب إلى الاعتياد والثاني إلى التطلع أو الاضطراب أمام الجديد.
ويختلف الأمر بحسب الرائي. فالموظف قد يكون الحلم عنده امتدادًا لدوامه، والتاجر لمتجره وزبائنه، والمعلم لصفه وطلابه. وربة البيت قد ترى فيه عملها اليومي الذي لا يُرى، والطالب يراه في مذاكرته ومواعيده. وكلها احتمالات قريبة من الحياة اليومية، لا قوالب جاهزة تُلزم أحدًا.
وتتعدد التفاصيل: مكتب هادئ بعد مغادرة الزملاء مبكرًا، أو اجتماع قصير، أو كوب قهوة غاب عنه صاحبه، أو ساعة معلقة يراقبها الجميع، أو زميل يبتسم ويسأل عن الحال. الاجتماع القصير قد يُقرأ على أنه رغبة في الاختصار، والساعة المعلقة على ترقب موعد، والزميل المبتسم على ألفة في المكان. وإذا اختلط عمل الرائي بمشاهد البيت فقد يعبّر ذلك عن تداخل أوقاته، ولا يدل على أمر محدد.
ومن الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم حين يتبدل إيقاع الإنسان اليومي ويحاول التوفيق بين عمله وأسرته وراحته. ويمكن للرائي أن يتأمل ما يقدر على تخفيفه من أعبائه، وأن يطلب العون من زملائه أو أهله، وأن يرتب أولوياته بما يناسب طاقته. وليس في هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بإرهاق مستمر أو قلق في عمله فالأولى أن يتحدث إلى مختص أو أحد أهله الثقات.
ومما يحسن ذكره أن للعمل في هذا الشهر طعمًا خاصًا لدى كثيرين، إذ يخف صخبه ويزداد فيه التعاون وتصفو العلاقات بين الزملاء. وقد يرى الإنسان هذا المشهد لأنه يحب هذه الأجواء أو لأنه يحتاج إليها، فيصنع له النوم صورة منها. فليأخذ منه معنى اللين في التعامل والاتزان في السعي، وليترك لنفسه مساحة من الراحة، دون مقارنة بعمل غيره ودون ربط الحلم بأمر ينتظره. وللرائي أن يتذكر أن قيمة العمل لا تقاس بكثرة الساعات وحدها، وإنما بما فيه من إتقان وهدوء وتعاون، وأن الاعتدال في الجهد يحفظ للإنسان أهله وصحته معًا. وفي الشهر فرصة لطيفة لإعادة النظر في إيقاع الأيام بلا تشدد ولا تفريط.
وفي الختام فهذا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُنتظر من الحلم خبر عما سيأتي. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعه بالتوفيق والبركة في سعيه. ومن رأى ما يحب فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شره ولا يحدّث به أحدًا.
