رؤية نهر ينحدر بين الجبال والصخور من المشاهد المهيبة التي تجمع بين الصلابة والتدفق، وقد يتساءل الرائي عن معناها بعد استيقاظه. ينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تخبر بحدث بعينه ولا تُلزم أحدًا بشيء، وإنما تعبر عن صور تتلون بحال الرائي وما يمر به. وما يُذكر في هذا المقال احتمالات تأويلية يُستأنس بها ولا يُجزم بها. والأنفع أن يقابل الرائي بينها وبين واقعه.
النهر في الرؤى رمز للجريان والرزق المتدفق والتغير، والجبل رمز للثبات والعلو والصعوبة والمنعة وأحيانًا للأصل الراسخ. فإذا جرى النهر في الجبل فقد يُفهم ذلك على أنه صورة لخير يأتي من مصدر عال أو بعد مشقة، أو لعطاء ينبع من أصل راسخ، أو لمثابرة تشق طريقها بين الصعاب. وقد يرمز كذلك إلى مشاعر عذبة وسط ظروف قاسية. وهذا فهم عام يتعين ضبطه بتفاصيل المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الجبال والماء أن الجبل قد يدل على رجل عظيم الشأن أو مكانة عالية، وأن الماء الذي يخرج منه قد يدل على نفع يأتي من أهل الشأن أو رزق بعد تعب. ولا يظهر من المتداول أن النهر في الجبل بخصوصه نال بابًا مستقلًا في الكتب المشهورة، فالأقرب أن دلالته تُستنبط بالقياس. وهذا من الرموز الأقل شيوعًا، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيحسن أخذ ما يُنقل بحذر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الماء المتدفق من الجبال قد يدل على نفع يصل من جهة عالية أو على نيل مطلوب بعد مشقة، وأن صفاءه يدل على طيب ما يأتي منه. واختلف المعبرون في التفصيل، فبعضهم ربط المشهد بالجاه والمنصب وبعضهم بالمال وبعضهم بالصبر على الشدائد. وهذا الاختلاف طبيعي، فالتأويل يتبع حال الرائي ولا يقوم على قاعدة جامدة. فالأحسن جمع الاحتمالات دون الجزم.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان النهر صافيًا ينحدر بهدوء بين صخور جميلة فالدلالة أقرب إلى خير يأتي بتدرج وثبات، وإذا كان سريعًا صاخبًا فقد يُحمل ذلك على مرحلة جهد وحركة تحتاج إلى تركيز. وإذا كان الرائي يصعد بمحاذاة النهر فقد يُفهم على أنه سعي نحو أصل الأمر، وإذا كان ينزل معه فقد يشير إلى انتقال من مرحلة عالية إلى أخرى. وإذا كانت الصخور زلقة فقد يوحي بضرورة الحذر والتأني في خطواته.
إذا رأت المرأة العزباء نهرًا في الجبل فقد يُحمل ذلك على سعي نحو هدف عال يتطلب جهدًا، وعلى أن صبرها قد يثمر بحسب ظروفها. وإذا كان المشهد جميلًا هادئًا فالمعنى أقرب إلى الثقة والطمأنينة. وأما المرأة المتزوجة فقد يشير النهر عندها إلى صبر على ظروف الحياة مع شعور بالحنان وسط الصعوبة، فالجبل صلابة والنهر ليونة، وقد يوحي ذلك بتوازن بين القوة والرقة. وهذه كلها معان ظنية لا يُقطع بها.
وأما الرجل فقد يرى في النهر الجبلي صورة لمسيرة شاقة تنتهي بثمرة، أو لمصدر رزق يأتي بعد جهد في عمل صعب، فصفاء الماء قد يوحي بنقاء المقصد. وأما الحامل فقد تحمل الرؤيا عندها معنى القوة والصبر في مرحلة تحتاج إلى احتمال، ولا يُفهم منها شيء عن حالة الحمل. والحلم ليس نصيحة طبية ولا تشخيصًا، وأي مرض أو أعراض جسدية يُرجع فيها إلى الطبيب المختص وحده. فيؤخذ من الحلم جانبه المعنوي فقط.
للتفاصيل الدقيقة قيمتها، فارتفاع الجبل وكساؤه من ثلج أو خضرة أو صخر، وبرودة الماء وسرعته ووجود شلالات صغيرة وممرات كلها قرائن. فالثلج الذائب الذي يغذي النهر قد يوحي بخير يأتي بعد برود وصبر، والخضرة على جانبيه قد توحي بخصب، والصخور الكبيرة قد توحي بعقبات يمكن تجاوزها بالالتفاف. وإذا كان الماء باردًا صافيًا فقد يُفهم على أنه نقاء وانتعاش، وإذا كان الضباب يغطي الجبل فقد يشير إلى وضوح يحتاج إلى وقت. وإذا ظهرت قمة مشمسة فقد يوحي بأمل.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعبر الرؤيا عن شعور الرائي بأنه يصعد في مرحلة صعبة يرجو أن يعقبها خير، أو عن حاجته إلى الاستناد إلى أصل ثابت. ويمكنه أن يسأل نفسه ما الذي يمنحه ثباتًا مثل الجبل، وما الذي يمنحه ليونة مثل الماء. ويفيد أن يقسم هدفه الكبير إلى مراحل صغيرة يتدرج فيها، وأن يهتم براحته وغذائه في أثناء الجهد، فالجبل يُصعد بخطوات متتابعة. ولا ينبغي أن يُبنى قرار مصيري على رؤيا وحدها دون استشارة.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. والأولى أن يُحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو بأن يجعل الله ما رُئي خيرًا وأن يبارك في الجهد ويثبت الخطى ويصلح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه. فمن أحسن العمل وأحسن الظن فقد أدى ما عليه.
