قد يرى المريض النهر في منامه فيتساءل عن صلة ذلك بحاله وصحته. وينبغي التذكير من البداية بأن الأحلام ليست نصيحة طبية، ولا تصلح وسيلة لمعرفة تطور مرض أو الشفاء منه، والمرجع في ذلك الطبيب والفحوص والمتابعة. أما الرؤيا فهي لغة رمزية تتأثر بالمشاعر والأفكار المخزونة، وليست إخبارًا حرفيًا عن واقع. فالنهر صورة تحتمل أكثر من قراءة بحسب صفاء مائه وهدوئه وإحساس الرائي. ولذلك تُقرأ برفق وبلا تعلق مفرط.
النهر في الرمزية صورة للجريان والحياة المتحركة التي لا تقف عند حال. ويُفسَّر بالرزق المتدفق على قدر، وبالتغيّر المتدرج، وبالعبور من مرحلة إلى أخرى. وقد يلمس ذلك قلب المريض الذي يتمنى أن تتغير أحواله إلى الأخف والأهدأ. غير أن هذا لا يعني وعدًا بشيء ولا إخبارًا عن مآل، فهو معنى عام يتسع لأكثر من وجه. ولذلك لا يُجزم بدلالة واحدة ولا يُبنى عليها توقع.
نُسب إلى ابن سيرين أن الماء الجاري الصافي يدل على خير وسعة، وأن العكر منه قد يدل على كدر أو انشغال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنهار تتصل بالأرزاق والمنافع، وأن للعبور فيها معنى تجاوز أمر ثقيل. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل ذلك، فلم يجمعوا على قاعدة واحدة. كما أن رؤية المريض بخصوصها أقل تفصيلًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد القائم على العموم. ولذلك تؤخذ هذه الأقوال للاستئناس فقط، لا للتقدير في أمر الصحة أو المرض.
يتغير المعنى مع السياق تغيرًا واضحًا. فالنهر الهادئ الصافي مع شعور بالراحة يميل إلى معنى السكينة وهدوء النفس. والنهر المضطرب أو العكر مع شعور بالتوتر قد يعكس تعب الأيام وطول الانتظار. ومكان النهر ووقت النهار والأشخاص القريبون منه تدخل في القراءة أيضًا. وما كان المريض يفكر فيه قبل نومه من فحوص أو علاج أو موعد قادم يترك أثره في صورة الحلم. فالقراءة تجمع الصورة والشعور وظروف الحال.
للمريض قد يرمز النهر الهادئ إلى حاجة النفس إلى الراحة والتدفق الهادئ للأيام دون صخب. ويراه بعضهم دلالة على تحسن في الحال النفسية وصفاء في الشعور، وهو معنى لطيف لا يتضمن تشخيصًا. وإن كان يجلس على ضفته يتأمل فقد يعبّر ذلك عن رغبة في السكينة والاستراحة. وإن كان يتمنى عبوره فقد يعكس رغبة في تجاوز مرحلة التعب. وكل هذه المعاني تُقبل بوصفها تهدئة للنفس لا بوصفها خبرًا.
وقد يظهر النهر في حلم المريض مرتبطًا بمشاعر الخوف أو الحيرة، كأن يراه واسعًا لا يستطيع عبوره. وهذه صورة تعكس غالبًا ثقل المرحلة لا نتيجتها، فالمشاعر في الأحلام تكبّر الصور أحيانًا. ولا يُفهم منها تقدير للمرض ولا لمدته. وإن أثّر القلق في نومه وراحته فالأولى أن يخبر طبيبه أو من يرعاه ليعينه. فالصحة تُعالج بالأسباب الطبية والرعاية، والأحلام لا تحل محلها.
التفاصيل الصغيرة تغيّر الصورة. فالماء الصافي يوحي بوضوح وسكينة، والخضرة على الضفاف توحي بأنس، وصوت الجريان الخفيف يوحي بهدوء. وإن رأى حوله أهله قرب النهر فقد يتصل ذلك بإحساسه بالدعم والرعاية. أما الماء العكر فقد يشير إلى تعب أو حيرة مؤقتة في الشعور. ولا يحسن أن يغرق الرائي في تحليل التفاصيل، فالانطباع العام أخف على النفس.
من الجانب النفسي، يرتبط النوم عند المريض بحاله الجسدية والنفسية، فقد تكثر الصور أو تتقطع. وقد يكون النهر انعكاسًا لحاجته إلى إيقاع هادئ يحميه من الإرهاق. ويفيد أن يحيط نفسه بما يطمئنه من كلام لطيف مع الأهل، وراحة، والتزام بتعليمات الطبيب، وتجنب قراءة ما يزيد القلق. وكلما شعر بالدعم خفّت الصور المقلقة. فهذه الأمور الواقعية أنفع له من كثرة التفكير في الحلم.
ولا يحسن أن يعتمد المريض على رؤيا في أي قرار يتصل بعلاجه أو أدويته أو مواعيده، مهما بدت الصورة مريحة أو مقلقة. فالقرار الطبي يُتخذ مع الطبيب بحسب الفحوص والحالة. وإن كانت الصورة حسنة فليحمد الله ويستبشر بلا مبالغة، وإن كانت مقلقة فلا داعي لإطالة التفكير فيها. وله أن يحكي ما رأى لمن يثق بحسن فهمه ورفقه. وبهذا يبقى الحلم في مكانه الطبيعي.
وفي الختام، فما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وهو لا يغني عن الطبيب ولا عن العلاج. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قدّره لعبده فهو الأصلح له وإن خفي سببه. ويحسن بالمريض أن يدعو ربه بالعافية والسكينة وصلاح الحال، وأن يحسن الظن بالله في كل ما يأتي. ثم يأخذ بأسباب العلاج ويمضي في أيامه بقلب مطمئن وأمل هادئ.
