رؤية المكان الذي يبدأ منه النهر وينبع ماؤه من الأرض أو من بين الصخور من المشاهد التي تحمل معنى البدايات، وقد يتوقف عندها الرائي متأملًا. ينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني بالضرورة أن أمرًا معينًا سيقع، وإنما تعبر عن صور تتلون بحال الرائي وما يمر به. وما يُذكر في هذا المقال احتمالات تأويلية يُستأنس بها ولا يُجزم بها. والأنفع أن يقابل الرائي بينها وبين واقعه.
النهر في الرؤى رمز للجريان والرزق المتدفق والحياة المتحركة، ومنبعه هو الأصل الذي يتفرع منه كل ذلك. لذلك قد يُفهم المنبع على أنه رمز للجذور والأصل ومصدر الخير الأول، أو لبداية فكرة أو مشروع أو مرحلة جديدة في حياة الرائي. وقد يرمز أيضًا إلى العودة إلى الأصول والبحث عن معنى الأشياء من أولها. وهذا فهم عام لا بد أن يُضبط بتفاصيل الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الماء والعيون أن العين الجارية قد تدل على رجل كريم ينفع من حوله أو على رزق دائم لا ينقطع، وأن صفاء الماء يدل على صفاء ما يدل عليه. ولا يظهر من المتداول أن هذا الباب تناول منبع النهر في صورة مخصوصة، فالأقرب أن دلالته تُقاس على العيون والينابيع. ومن المعلوم أن الرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى الاجتهاد فيها قائمًا على القرائن. ولذلك يحسن أخذ ما يُنقل بحذر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الينبوع والعين قد يدلان على كثرة الخير والنفع إذا كان الماء عذبًا غزيرًا، وأنهما قد يدلان على مصدر علم أو عطاء يستفيد منه الناس. واختلف المعبرون في التفصيل، فبعضهم ربط المنبع بالمال وبعضهم بالأصل والنسب وبعضهم بالعلم. وهذا الاختلاف مفهوم، فالتأويل مرتبط بحال الرائي وما يبحث عنه. فالأحسن جمع الاحتمالات دون الجزم بواحد منها.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان المنبع صافيًا غزيرًا في مكان جميل هادئ فالدلالة أقرب إلى بداية طيبة ومصدر خير متجدد، وإذا كان ضعيفًا يكاد ينقطع فقد يُحمل على حاجة إلى تجديد الصلة بالمصدر الأول أو إلى صبر على بداية متواضعة. وإذا كان الرائي يشرب من المنبع فقد يُفهم على أنه استفادة من أصل نافع، وإذا كان يتتبع الماء صعودًا نحو منبعه فقد يشير إلى رغبة في فهم أصل الأمر. وإذا كان المكان وعرًا فقد يعني أن الوصول إلى الأصل يحتاج إلى جهد.
إذا رأت المرأة العزباء منبع النهر فقد يُحمل ذلك على بداية مرحلة جديدة في حياتها، كدراسة أو عمل أو علاقة، أو على رغبة في الرجوع إلى أصلها وأسرتها. وإذا كان الماء صافيًا فالمعنى أقرب إلى الصفاء والنية الحسنة والبدايات المبشرة. وأما المرأة المتزوجة فقد يشير المنبع عندها إلى أصل بيتها وأسرتها، فهو قد يوحي بصلة طيبة بالجذور أو ببداية متجددة في العلاقة. وهذه كلها معان ظنية لا يُقطع بها.
وأما الرجل فقد يرى في المنبع صورة لأصله ومصدر رزقه الأول أو لبداية مشروع جديد، فإذا كان الماء قويًا صافيًا فهو قد يوحي بقاعدة صلبة ينطلق منها. وأما الحامل فقد تحمل الرؤيا عندها معنى البدايات والأمل بما هو قادم، من غير الاعتماد عليها في معرفة تفاصيل الحمل. والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص والمتابعة عند الطبيب، وأي مرض أو شكوى جسدية تُعرض عليه وحده. فيؤخذ من الحلم جانبه المعنوي فقط.
للتفاصيل الدقيقة قيمتها، فموقع المنبع من جبل أو كهف أو أرض خضراء، وحجم الماء المتدفق وبرودته ولون الصخور حوله كلها قرائن. فالمنبع بين الجبال قد يوحي بأصل راسخ، والمنبع في أرض خضراء قد يوحي بخصب وسعة، والمنبع الذي يخرج من الصخر قد يوحي بخير يأتي بعد صبر. وإذا كان الماء يخرج بهدوء فالمعنى أقرب إلى تدرج حسن، وإذا اندفع بقوة فقد يُفهم على أنه بداية نشيطة. وإذا بدأ يتفرع إلى جداول صغيرة فقد يشير إلى فرص متعددة تنبثق من أصل واحد.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعبر الرؤيا عن حنين الرائي إلى أصله أو رغبته في بداية جديدة أنقى وأوضح، أو عن بحثه عن معنى أعمق لما يعيشه. ويمكنه أن يسأل نفسه ما الأصل الذي ينطلق منه في حياته، من قيم وعلاقات وعادات، وهل يحتاج إلى تجديد صلته به. ويفيد أن يخصص وقتًا لزيارة أهله أو مراجعة أهدافه الأولى، فالمنبع يحتاج إلى عناية حتى يظل صافيًا. ولا ينبغي أن يُبنى قرار مصيري على رؤيا وحدها دون تروٍّ.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. والأولى أن يُحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو بأن يجعل الله ما رُئي خيرًا وأن يبارك في البدايات ويصلح الأصل والفرع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه. فمن أحسن العمل وأحسن الظن فقد أدى ما عليه.
