قد يرى الإنسان في منامه أن النهر يحيط به من جميع الجهات أو أنه واقف على جزيرة صغيرة يلفها الماء. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تتألف من المشاعر والصور المخزونة والأفكار، وليست خبرًا حرفيًا عن واقع. فإحاطة الماء بالرائي لا تعني خطرًا فعليًا ولا توقعًا لشيء، وإنما هي صورة تعبّر عن شعور بالاحتواء أو الانشغال. ويتغير المعنى بحسب صفاء الماء وهدوئه وشعور الرائي وهو محاط به. ولذلك تُقرأ الصورة بتأنٍ وبلا تهويل.
النهر في الرمزية صورة للجريان والرزق المتدفق والتغيّر المتدرج والعبور بين مرحلتين. وحين يحيط بالرائي فكأن هذه المعاني تحيط بحياته، فتكثر الأسباب والأمور من حوله. وقد يعبّر ذلك عن سعة في الأرزاق والفرص، وقد يعبّر عن انشغال كثير بالأمور حتى يشعر الرائي أنها تحيط به. وقد يعبّر أيضًا عن مرحلة انتقال يعيشها ولم يعبر بعد إلى ضفة جديدة. وكل ذلك احتمالات تتبدل بالسياق ولا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن النهر قد يدل على خير وسعة إذا كان صافيًا، وعلى كدر أو انشغال إذا كان عكرًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنهار تتصل بالأرزاق والمنافع وأحوال الناس، وأن للعبور فيها معنى تجاوز أمر ثقيل. واختلف المفسرون في تفاصيل ذلك ولم يجمعوا على قاعدة واحدة. كما أن صورة إحاطة النهر بالرائي بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد من العموم. فتؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا لليقين.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الماء صافيًا هادئًا والرائي مطمئن في موضعه، مال المعنى إلى الاحتواء والأمان وسعة الأسباب. وإذا كان الماء مندفعًا أو عكرًا والرائي قلق، فقد يعكس ذلك شعورًا بالحصار من الأعباء أو كثرة الالتزامات. وحجم الأرض التي يقف عليها الرائي ووقت النهار تدخل في القراءة. وما كان يفكر فيه قبل نومه من أعباء تلاحقه يلوّن الصورة. فالقراءة تجمع الصورة والشعور وظروف الحال.
يختلف المعنى قليلًا باختلاف الرائي. فللمرأة المتزوجة قد يتصل إحاطة الماء بها بكثرة ما يحيط بها من أعباء البيت وأدواره، وللعزباء بتعدد الخيارات أمامها وحيرتها بينها. وللرجل قد يتصل بتزاحم المسؤوليات، وللحامل بإحساس الاحتواء في مرحلة تشعر فيها بالانشغال بنفسها، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية. وللمطلقة والأرملة قد يعبّر عن شعور بالعزلة المؤقتة أو بحاجة إلى مساحة هادئة. وكلها قراءات احتمالية لا تُفرض على أحد.
وللشاب والطالب والتاجر والمسافر معانٍ قريبة. فالشاب قد يعبّر إحاطة الماء به عن كثرة الأفكار والخيارات، والطالب عن تزاحم المقررات، والتاجر عن تراكم الالتزامات. وللمسافر قد يعكس شعورًا بالغربة وسط مكان جديد. وللمريض والمهموم قد يعكس إحساسًا بالعزلة أو الحاجة إلى الدعم، والمتابعة الطبية هي المرجع في أمر الصحة. ويبقى تقدير ما يناسب كل حال لصاحبها.
التفاصيل الدقيقة تغيّر الصورة. فالجزيرة الواسعة الخضراء توحي بأمان ومساحة، والرقعة الضيقة توحي بضيق مؤقت. ووجود جسر أو قارب أو ممر يوحي بإمكان الخروج متى أراد الرائي، وغيابه قد يوحي بحاجة إلى مساعدة أو مشورة. وإن كان الماء يرتفع شيئًا فشيئًا فقد يعكس شعورًا بتراكم الأمور، لا أكثر. ولا تعني هذه التفاصيل قاعدة ثابتة، فهي إشارات ظنية.
من الجانب النفسي، قد يعكس الحلم الإحساس بأن الأمور تحيط بالإنسان من كل ناحية، أو حاجته إلى عزلة هادئة يرتب فيها نفسه. وهذا شعور مألوف في المراحل المزدحمة. ويفيد أن يدوّن الرائي ما يثقله، ويوزع المهام بحسب الأهمية، ويطلب العون ممن حوله. فالأحلام تتأثر بإيقاع الأيام وتخف كلما انتظم. وهذه الأسئلة الواقعية أنفع من تحليل الصورة.
ولا يحسن أن يبني الرائي قرارًا على رؤيا واحدة، ولا أن يزيد قلقه بسبب صورة الإحاطة. فالقرارات تُبنى على الواقع والمشورة والتخطيط. وإن كانت الصورة حسنة فليحمد الله ويستبشر بلا مبالغة، وإن كانت مقلقة فلا داعي لإطالة التفكير فيها. وله أن يحكي ما رأى لمن يثق بحسن فهمه ورفقه. وبهذا يبقى الحلم في موضعه الطبيعي.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح عدّه خبرًا مؤكدًا عن الغد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قدّره لعبده فهو الأصلح له وإن خفي سببه. ويحسن بالرائي أن يدعو ربه بالطمأنينة وسعة الصدر وصلاح الحال، وأن يحسن الظن بالله في كل ما يأتي. ثم يمضي في يومه بقلب هادئ وتوكل صادق.
