رؤية أشجار تنمو على ضفة نهر من المشاهد الجميلة التي تجمع بين الثبات والحركة، فالشجر ساكن في مكانه والماء لا يتوقف عن الجريان. ينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، وأن معناها يتبدل بحال الرائي وظروفه وما يشغل قلبه. وما يُذكر في هذا المقال احتمالات تأويلية يُستأنس بها ولا يُجزم بها. فالأنفع أن يوازن الرائي بين هذه المعاني وواقعه قبل أن يميل إلى أحدها.
النهر في الرؤى رمز للجريان والرزق المتدفق والتغير، والشجرة رمز كثيرًا ما يُربط بالأصل والثبات والأسرة والعطاء الممتد. فإذا اجتمعا على هيئة أشجار تحف ضفة النهر فقد تدل الصورة على جذور راسخة تتغذى من مورد دائم، أي استقرار يستمد قوته من رزق متجدد. وقد يرمز الشجر هنا إلى أشخاص ثابتين في حياة الرائي كالوالدين والأقارب والأصدقاء القدامى. وهذا فهم عام يحتاج إلى ضبط بتفاصيل المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الأشجار أن الشجرة قد تدل على رجل أو أهل وقرابة وأن حالها من خضرة أو يبس يقابل حال من تدل عليه، وأن كثرة الثمر قد تشير إلى خير ومنفعة. ولا يتضح من المتداول أن هذا النص خُصص للأشجار على ضفة النهر تحديدًا، فالأقرب أن يُقاس عليه الأمر. ومن المعلوم أن الرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى الاجتهاد فيها قائمًا على القرائن. فيُؤخذ ما يُنقل بحذر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشجر القريب من الماء أحسن حالًا وأدل على خصب وبركة من الشجر البعيد عنه، وأن قرب الشجر من المورد يشير إلى أصل ثابت لا ينقطع مدده. وقد اختلف المعبرون في الأخذ بهذا التفصيل، فبعضهم عمم الأمر وبعضهم قصره على أحوال بعينها. وهذا الاختلاف طبيعي في علم قائم على النظر والقياس. فالأولى أن تُجمع الأقوال دون التعلق بواحد.
لسياق المشهد أثر كبير. فالأشجار الخضراء المثمرة على ضفة نهر صاف قد تُحمل على خير ووفرة واستقرار، والأشجار اليابسة قرب ماء كدر قد تُحمل على أمر يحتاج إلى عناية أو تجديد، من غير تهويل. وإذا كان الرائي يجلس في ظل الشجر فقد يُفهم ذلك على أنه ارتياح وحماية وجود من يسنده، وإذا كان يغرس شجرة جديدة فقد يدل على بداية مشروع أو أمل طويل المدى. وإذا كان الجذر ظاهرًا في الماء فقد يشير إلى أصل يتأثر بالتغير.
إذا رأت المرأة العزباء أشجارًا مثمرة على ضفة نهر فقد يُحمل ذلك على أن أمامها فرصًا تنمو بالتدريج، وعلى سند أسري أو علمي يحيط بها، بقدر ما تسمح به ظروفها. وإذا كانت تقطف من الثمر فقد يُفسر ذلك بثمرة جهد قريب. وأما المرأة المتزوجة فقد يشير الشجر عندها إلى بيتها وأسرتها الممتدة، فالأشجار الظليلة قد تدل على أمان وسكينة، واليابسة على حاجة إلى رعاية العلاقات. وكل ذلك احتمالات لا يُقطع بها.
وأما الرجل فقد يرى في الأشجار صورة لأصله وعمله ومكانته بين أهله، فإذا كانت قوية خضراء فالمعنى أقرب إلى قوة الأساس وحسن العاقبة بحسب سعيه. وأما الحامل فقد تحمل الرؤيا عندها معنى الأمل والارتياح لما هو قادم، من غير الاعتماد عليها في معرفة تفاصيل المولود أو حالة الحمل. والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيب، وأي مرض أو شكوى جسدية تُعرض عليه وحده. فيؤخذ من الحلم جانبه المعنوي دون غيره.
للتفاصيل الدقيقة قيمتها في التأويل، فنوع الشجر وارتفاعه وكثافة أوراقه وانتظام صفوفه ومدى قربه من الماء قرائن لا ينبغي إهمالها. فالنخل والزيتون والصفصاف تحمل في الذهن معاني مختلفة، فمنها ما يرمز إلى العطاء والبركة، ومنها ما يرمز إلى المرونة أمام الريح. وإذا مالت الأشجار نحو الماء فقد يُفهم ذلك على أنه ميل إلى الجذور أو الحاجة إلى مصدر الرزق. وإذا تساقطت الأوراق في النهر فقد يشير إلى أمر قديم يمضي مع الزمن ويفسح مكانًا لجديد.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تعبر هذه الرؤيا عن حاجة الرائي إلى الجذور والاستقرار، أو عن شعوره بأنه يحتاج إلى من يسنده في مرحلة متقلبة. ويمكنه أن يسأل نفسه ما الذي يغذي جذوره حقًا، من علم وعلاقات وعادات صالحة. ويفيد أن يعتني بأصوله القريبة كصلة الأرحام والأصدقاء والصحة وتنظيم الوقت، فهذه هي الجذور التي تُسقى بالصبر. ولا ينبغي أن يُبنى قرار كبير على رؤيا وحدها دون تروٍّ.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. والأولى أن يُحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو بأن يجعل الله ما رُئي خيرًا وأن يثبت الأصل ويبارك في الثمر ويصلح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل عليه. فمن أحسن العمل وأحسن الظن فقد أدى ما عليه.
