رؤية الديك يصيح في المنام من أشهر صور هذا الرمز، وهي من الرؤى التي يربطها المعبّرون بالتنبيه والإعلان. ومع ذلك فالرؤيا رمزية في عمومها، ولا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد إخبارًا قاطعًا بما سيقع. وقد يسمع الإنسان صياح الديك في منامه لأن في يقظته أمرًا ينتظر الإعلان أو كلمة ينبغي أن تُقال. ولذلك يحسن النظر إلى الرؤيا على أنها إشارة تحتاج إلى فهم هادئ يضع في الاعتبار حال الرائي وظروفه. وما يلي بيان لوجوه التأويل المتداولة تُقرأ على سبيل الاستئناس.
الديك في الرموز المتداولة صورة للتنبيه والإعلان والهيبة، وصياحه هو أبرز ما فيه، فهو صوت يخترق السكون ويصل إلى كل من حوله. ولذلك يُقرأ الصياح بمعنى الخبر الذي يُذاع أو الرأي الذي يُعلن أو الصوت الذي يُسمع في الأسرة والجماعة. ويرتبط كذلك بالتبكير واليقظة، فكأن الصياح دعوة إلى الانتباه والنهوض والعمل. وقد يشير في بعض القراءات إلى رجل صاحب كلمة مسموعة يرفع صوته بما يراه حقًا أو نافعًا. وكلما كان الصياح واضحًا متزنًا مال المعنى إلى الخير والوضوح.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطيور أن صياح الديك يُقرأ بمعنى الخبر والتنبيه، وأن الديك يدل على رجل ذي شأن يُسمع كلامه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصوت في الحيوان قد يدل على ما يُعلن من أمر صاحبه، وأن قوته ووضوحه يزيدان المعنى ظهورًا. وتختلف الآراء بين المعبّرين في تفصيل الصياح بحسب وقته وكثرته ونبرته، ولا إجماع بينهم في ذلك. والتفاصيل الدقيقة من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فيكثر فيها القياس والاجتهاد. ولذلك لا ينبغي الجزم بقول واحد دون الجمع بين القرائن.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا، فإن كان الصياح مرة واحدة واضحة فقد يُقرأ على أنه خبر محدد قريب أو تنبيه إلى أمر بعينه. وإن كان متكررًا فقد يُشار به إلى أمر يلحّ على صاحبه أو كلمة تحتاج إلى أن تُقال بصراحة. وإن كان الصوت مريحًا للنفس فذلك أميل إلى الخير والبشرى، وإن كان مزعجًا صاخبًا فقد يُقرأ على أنه تنبيه إلى ضجيج في الحياة أو ضغط من كثرة الكلام. ويؤثر كذلك مكان الصياح، أهو قريب من الرائي أم بعيد، وأهو في ساحة أم في مكان مغلق. وشعور الرائي عند الاستيقاظ قرينة معتبرة.
الفتاة العزباء قد يُقرأ في رؤيتها صياح الديك على أنه خبر يصلها أو اهتمام بأمر يُعلن عنها كخطوبة أو إنجاز أو قرار، وقد يكون صدى لانتظارها خبرًا ما. وليس في الرؤيا وعد بشيء بعينه، فهي رمزية تُقرأ مع الواقع والمشورة. وقد تدل عند بعضهم على تنبيه إلى أن تعبّر عن رأيها بوضوح. والأولى أن تتأنى وتحسن الظن وتستشير من تثق به. وبذلك لا تتحول الرؤيا إلى تعلق زائد بالانتظار.
وأما المتزوجة فقد يُقرأ الصياح في حقها بمعنى خبر عن الأسرة أو كلمة تُقال في البيت أو حاجة إلى حوار صريح بين أفراده. وقد يدل عند بعضهم على نشاط في البيت وانتظام في الأمور اليومية. وإن كانت حاملًا فيحسن حمل الرؤيا على الطمأنينة وحسن الظن، مع التنبيه على أن الأحلام ليست نصيحة طبية وأن المتابعة الطبية هي المرجع في شؤون الحمل. وللرجل قد يكون صياح الديك إشارة إلى خبر في العمل أو إلى مسؤولية في إبلاغ أمر أو إعلان قرار. وتتغير الدلالة بحسب ظروف كل رائٍ.
ومن التفاصيل الدقيقة نظر المعبّرين إلى قوة الصوت ونبرته ومدته، فالصوت الواضح الجميل غير الأجش المتقطع. وينظر إلى وقت الصياح في الحلم أهو في وضح النهار أم في سكون، وإلى حال الرائي عند سماعه أكان مستغرقًا أم يقظًا. وقد يتعدد الصياح بصياح ديكة أخرى كأنها تجيب، وهذا قد يُقرأ على أن الخبر سيتناقله الناس أو يتفاعل معه المحيط. وإن اقترن بحركة الديك وانتفاش ريشه فقد يدل على انفعال ما وراء الخبر. وكل ذلك قرائن ظنية لا يقين فيها.
وفي الجانب العملي والنفسي، قد يعكس الحلم رغبة الرائي في أن يُسمع صوته أو في أن يعلن عن أمر ظل مكتومًا. ويمكنه أن يسأل نفسه عما يحتاج أن يقوله بوضوح، وهل ثمة حوار مؤجل ينبغي أن يُفتح بهدوء. كما أن الأصوات المحيطة بالنائم في الواقع قد تدخل في أحلامه، فصياح حقيقي قريب قد يتحول في المنام إلى صورة ديك. فلا يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل. وحسن الظن بالله مع الأخذ بالأسباب هو الأنفع.
وخلاصة القول أن ما ورد اجتهاد بشري ظني، يختلف فيه أهل التعبير، ولا يرقى إلى اليقين. فمن سمع صياح ديك في منامه فليحسن الظن بالله وليدعُه أن يجعل رؤياه خيرًا وأن يصرف عنه كل ما يكره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما التأويل إلا محاولة لفهم إشارات قابلة لوجوه كثيرة. اللهم ارزق صاحب الرؤيا السكينة وصلاح الحال.
