أن يرى الإنسان ديكًا يسير خلفه ويتبعه أينما ذهب مشهد قد يبعث على الدهشة، فالديك لا يتبع عادة بل يتقدم ويعلن. وينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، ولا ينبغي أن تُقرأ بنبرة قلق. وقد يتأثر الحلم بإحساس الرائي بأن أمرًا يلازمه أو بأنه صار قدوة أو مسؤولًا عن غيره. ولذلك يحسن النظر إليه كإشارة محتملة. وما يلي قراءات تقريبية تحتمل الصواب والخطأ.
الاتباع في الرموز يدل على الملازمة والتأثر والمرافقة، فقد يكون التابع أمرًا يلازم الإنسان كعادة أو التزام أو ذكرى، وقد يكون شخصًا يقتدي به. والديك يرمز إلى القيادة واليقظة والإعلان والهيبة. فاجتماع ذلك في ديك يتبع الرائي قد يدل على أن الرائي صار مؤثرًا في محيطه، أو على أمر ينتبه إليه ولا يفارقه، أو على مسؤولية تصحبه في خطواته. ويتوقف المعنى على هدوء الديك وسلوكه خلف الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن اتباع الحيوان الأليف لصاحبه قد يدل على الأنس والخدم والأتباع، وأن الديك قد يدل على رجل ذي صوت وهيبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتبع الإنسان من الطيور قد يدل على رزق يلازمه أو من يعتمد عليه، لكن العبارات تتباين بين الكتب. ومن المعلوم أن هذا المشهد بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة بصورة صريحة. وتختلف الآراء فيه فلا يُجزم بقول واحد. والحذر لازم عند الاستئناس بهذه النقول.
ولسياق المشهد أثر كبير؛ فإن كان الديك يتبع الرائي بهدوء وألفة فقد يميل المعنى إلى الأنس وحسن الصحبة. وإن كان يلاحقه بإلحاح فقد يدل على أمر يلح عليه أو التزام يضيق به. وإن كان يتوقف كلما توقف الرائي فقد يدل على ارتباط وثيق. وإن كان الرائي يلتفت إليه ويبتسم فقد يدل على رضًا، وإن كان يسرع في الهروب فقد يدل على رغبة في التخفف. وكل هذه احتمالات تقديرية.
إذا رأت العزباء ديكًا يتبعها فقد يرتبط الحلم عندها بشخص يتأثر بها أو يهتم بأمرها، أو بأمر في ذهنها لا يفارقها كفكرة أو قرار. وقد يرمز إلى اهتمام محيطها بها. وإن كان الديك وديعًا فالمعنى يميل إلى الطمأنينة، وإن كان مزعجًا فقد يدل على ضغط. ولا ينبغي أن تبني على الحلم حكمًا على أحد. فهو مجرد صورة ذهنية.
أما المتزوجة فقد يتصل الحلم عندها بأطفالها الذين يتبعونها ويعتمدون عليها، أو بمسؤوليات تلازمها في يومها. وقد يدل على أن زوجها أو أهلها يعتمدون على رأيها. وإن كانت حاملًا فقد يعبّر عن إحساسها بأن حياتها صارت مرتبطة بمرحلة جديدة تصحبها في كل خطوة، دون دلالة على أمر محدد. وإن كان الديك يتبعها بهدوء فالمعنى يميل إلى الأنس. وهذا كله ظن لا يقين.
وإذا رأى الرجل ديكًا يتبعه فقد يرتبط الحلم عنده بتأثيره في من حوله، كموظفين أو أبناء أو أتباع، وبمسؤوليته عن حسن القدوة. وقد يدل على عادة أو أمر يلازمه ويحتاج إلى مراجعة. وإن كان في موقع قيادي فقد ينعكس ذلك في الحلم. وقد يكون دعوة إلى أن ينتبه لسلوكه لأن غيره يراقب ويقلد. والمعنى يتبع حاله وظروفه.
ومن التفاصيل التي تُلاحظ المسافة بين الديك والرائي، فالقريب جدًا يوحي بملازمة لصيقة، والبعيد يوحي بتأثير غير مباشر. ويُنظر إلى لون الديك وحجمه، فالكبير القوي يوحي بتأثير كبير، والصغير يوحي بمسؤولية ناشئة. ووجود طيور أخرى خلفه قد يضيف معنى الجماعة التابعة. وإن كان الديك يصيح وهو يتبع فقد يدل على إعلان أمر. وهذه إشارات احتمالية.
ومن الناحية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة إلى أن ينتبه الرائي لما يتبعه من عادات وأفكار ومسؤوليات، وأن يختار ما ينفعه منها ويتخفف من غيره. ويمكن له أن يسأل نفسه عمن يقتدي به وماذا يتعلم منه. وإن كان يعاني قلقًا أو وسوسة أو متاعب صحية فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن استشارة المختص. والخير في القدوة الحسنة والتخفف مما لا ينفع. وقد يفيد كذلك أن يتذكر أن الإنسان يؤثر بأفعاله أكثر مما يؤثر بأقواله، وأن اللطف والصدق أبقى أثرًا.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه خوف أو قرار حاسم. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالهداية وحسن القدوة وصلاح الأحوال. فإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فليطمئن ولا يشغل نفسه به. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والتفسير يبقى جهدًا بشريًا.
