رؤية الكفن في المنام من الرؤى التي تثير الدهشة عند كثير من الناس، والأولى أن يتذكر الرائي أن الأحلام لغة رمزية لا تُقرأ على ظاهرها، وأن هذه الرؤيا لا تدل على موت أحد ولا على سوء قادم. وهذه الفقرات خلاصة جامعة لأبرز المعاني التي يذكرها المهتمون بتأويل الرؤى، مع بيان أن الرمز الواحد يختلف باختلاف صاحبه وسياقه. وفي الغالب يُقرأ المنام على أنه صورة لما يعتمل في النفس من أفكار ومشاعر وتحولات. ولذلك يحسن التعامل معه بهدوء وتروٍّ بعيدًا عن التهويل. وكل ما يلي عرض لاحتمالات لا يُجزم بها.
يرتبط القماش الأبيض الملفوف في عالم الرموز بمعاني الطي والإغلاق، أي انتهاء مرحلة وبدء أخرى. وقد يعبّر عن الستر والسكينة وعن رغبة في التخلص من أعباء وعادات قديمة ثقلت على النفس. وقد يشير إلى بدايات جديدة تتهيأ لها النفس بعد مرحلة طويلة. كما قد يعكس مشاعر القلق من التغيير أو الإحساس بالفقد تجاه ما ألفه الرائي. وتبقى هذه المعاني قراءات احتمالية تتلون بحال صاحبها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثياب البيضاء النظيفة في المنام تميل إلى الستر وصفاء الحال، وأن هيئة القماش من نظافة أو اتساخ أو تمزق تغيّر المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تُفسَّر بحسب حال الرائي وما يغلب على نفسه من فرح أو ضيق. وتتعدد آراء المفسرين في تفاصيل كثيرة ولا يكاد يتفقون على قراءة واحدة لكل رمز. كما أن الكفن من الرموز الأقل تناولًا بالتفصيل في الكتب القديمة، ولذلك يكثر فيه الاجتهاد المتأخر. فالأولى أن يؤخذ كل ما يُذكر على وجه الاستئناس لا اليقين.
يتغير معنى المنام بتغير السياق. فإذا ظهر القماش نظيفًا والرائي مطمئن، مال التأويل إلى صفاء وانتهاء مرحلة بسلام. وإذا صاحبه خوف أو اضطراب فقد يكون صدى لقلق متراكم أو ضغط في الحياة اليومية. وللمكان دلالته، فظهوره في البيت يتصل بالشأن الأسري، وفي العمل يتصل بالمسار المهني، وفي الطريق يتصل بمسيرة الحياة. وكلما استحضر الرائي شعوره الدقيق قبل النوم وبعد الاستيقاظ كانت القراءة أقرب إلى حاله.
وللتفاصيل المتغيرة معانٍ متدرجة. فالكفن الذي يختفي أو يبتعد قد يعبّر عن تخفف وانتقال، والذي يظهر أو يقترب قد يعبّر عن وعي بتغيير قادم. والذي يكبر قد يشير إلى قلق يتضخم أو مرحلة تتسع، والذي يصغر قد يشير إلى ثقل يخف. أما اللون الغريب فيعكس مزاجًا مختلطًا، والغبار يشير إلى أمور مؤجلة، والبلل إلى مشاعر متدفقة، وضوء القمر إلى هدوء وتأمل، والشمس الساطعة إلى وضوح ودفء.
وبحسب حال الرائي تختلف الدلالة. فالعزباء قد يعبّر المنام عندها عن ترقب مرحلة جديدة، والمتزوجة عن إعادة ترتيب في بيتها وأيامها، والرجل عن تحول في عمله ومسؤولياته، والشاب والطالب عن مفترق بين مرحلتين. وقد يعبّر عند الحامل عن انشغال الذهن وكثرة التفكير كغيرها من الرائيات دون أي ربط بحالتها، وعند المطلقة والأرملة عن بداية أخف وأهدأ. وقد يعبّر عند التاجر والمسافر عن إغلاق نشاط أو رحلة وبدء غيرها. وعند المريض وكبير السن عن حاجة إلى سكينة، دون أن يدل ذلك على شيء يخص الصحة أو العمر.
وقد يتصل تكرار الرؤيا أو توقيتها بحال النفس لا بمعنى خفي. فالرؤيا المتكررة تعكس غالبًا فكرة ملحّة، ورؤيا الصباح الباكر تتأثر بأفكار بدء اليوم، ورؤيا ما بعد الظهر تتأثر بتعب النهار. أما الخوف المصاحب فيعبّر عن قلق من التغيير، والحزن المصاحب يعبّر عن ثقل نفسي، والراحة المصاحبة تعبّر عن انفراج داخلي. وفي كل ذلك المشاعر هي المفتاح الأهم لفهم المنام. وللتفاصيل أثرها أيضًا، فالقماش الناصع المرتب أقرب إلى الصفاء والطمأنينة، والباهت أو الممزق قد يعكس إرهاقًا وأمورًا عالقة. وإذا كان الحلم مبهمًا متقطعًا فالغالب أنه من أضغاث الانشغال والتعب.
ومن الجانب العملي والنفسي، يفيد الرائي أن يتكلم مع أحد أحبته أو صديق موثوق عمّا يشغله، فكثير من الهموم تخف بالمشاركة. وينفعه التواصل المستمر مع الأهل والأصدقاء وتنظيم النوم والغذاء والحركة. وإذا استمر القلق من الفقد أو الحزن الشديد أو ظهرت أفكار مقلقة فهذا يستحق الكلام مع مختص نفسي أو أحد الأهل دون تأخير. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، ولا يغني عن طلب المساعدة عند الحاجة. وطلب العون دليل وعي لا ضعف.
ويمكن للرائي أن يحوّل المنام إلى خطوات صغيرة نافعة. فقد يكتب ما يريد طيّه من حياته وما يريد بدءه، ويقسم ذلك إلى مهام صغيرة. وقد يخصص وقتًا للقاء من يحب وللمشي وللهوايات المريحة. كما أن ترتيب مكانه الخاص والتخلص من الأشياء الزائدة يمنح النفس شعورًا بالتجدد. وبهذا يصير الرمز بابًا للتحسن لا سببًا للخوف.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ مرتبة اليقين. ومن حسن الظن بالله أن يطمئن الرائي وأن يدعو بالخير: اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وبدّل كل قلق سكينة وأتمّ على كل قلب راحته. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على المنام قرار مصيري. فليستقبل يومه بقلب مطمئن ورجاء في الخير.
