حين يرى الرجل كفنًا في منامه فقد يستيقظ منزعجًا ويظن أن الأمر يحمل خبرًا ثقيلًا، غير أن الرؤيا رمزية لا تُقرأ على ظاهرها، وهي لا تدل على موت أحد. هذا المنام في الغالب مرآة لما يعتمل في النفس من مسؤوليات وتحولات وأفكار تراكمت في اليقظة. ويحسن أن يُتعامل معه بهدوء وبعين من يبحث عن المعنى لا عن الخوف. فالأحلام تتأثر بضغوط العمل والتعب وكثرة الالتزامات. وفيما يلي بيان لأبرز الدلالات المحتملة مع الاحتياط الواجب.
في لغة الرموز يرتبط القماش الأبيض الملفوف بمعاني الطي والإغلاق، أي أن مرحلة تقترب من نهايتها وأخرى تتهيأ للبدء. وقد يشير إلى الستر والسكينة، كما قد يوحي بالرغبة في ترك عادات وأعباء قديمة أثقلت صاحبها. ويمكن أن يعكس مشاعر القلق أو الإحساس بالفقد تجاه أمر ألفه الرجل وبدأ يبتعد عنه. وهذه كلها قراءات احتمالية لا يُجزم بأيٍّ منها. فالرمز ثابت في صورته، لكن معناه يتبدل بتبدل صاحب الرؤيا وظروفه.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الثياب أن الأبيض النظيف يميل إلى معاني الستر وحسن الحال، وأن اختلاف هيئة القماش يغيّر المقصود. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تُفسَّر بحسب حال صاحبها وعمله ومقامه بين الناس. وهذا يعني أن رمزًا واحدًا قد يُقرأ عند التاجر بغير ما يُقرأ عند الموظف أو الطالب. على أن الكفن بعينه من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك تتعدد الآراء فيه. فالأسلم أن يُعدّ كل ما يُذكر اجتهادًا يُستأنس به لا حقيقة قاطعة.
يؤثر السياق تأثيرًا واضحًا في معنى المنام. فإذا كان الرجل مطمئنًا والقماش نظيفًا والمشهد هادئًا، مال التأويل إلى صفاء وانتهاء مرحلة بسلام. وإذا صاحب الرؤيا خوف شديد فقد يكون ذلك انعكاسًا لضغط متراكم في العمل أو البيت. ويختلف المعنى كذلك بحسب المكان، فالبيت يتصل بالشأن الأسري، والعمل بالمسار المهني، والطريق بالمسار العام للحياة. ومن المفيد أن يتذكر الرائي ما كان يشغله قبل النوم.
أما الرجل تحديدًا فقد يرتبط الكفن عنده بتحول مهني أو مالي أو انتقال من طور إلى طور في مسؤولياته. وقد يعبّر عن رغبته في إنهاء مشروع قديم أو ترك طريقة في التعامل لم تعد تفيده. وقد يرمز كذلك إلى مرحلة يراجع فيها أولوياته بين العمل والأسرة والراحة. وإذا كان مثقلًا بالمسؤوليات فقد يكون المنام تعبيرًا عن حاجته إلى التخفف قليلًا. ولا يصح أن يربط الرؤيا بأي شخص من أهله أو معارفه.
وقد تتصل الرؤيا بعلاقاته الاجتماعية. فقد يدل على رغبة في تجديد الصلة بالأصدقاء أو الأقارب بعد انقطاع أو فتور. وقد يعبّر عن إحساس بأن بعض المراحل التي عاشها قد انتهت وأن عليه التعامل مع واقع جديد. كما قد يكشف عن قرار مؤجل ينتظر الحسم، كتغيير العمل أو السكن أو الدخول في مشروع جديد. وفي كل ذلك صاحب الرؤيا أدرى بما يمر به، والتفسير مجرد مرآة تعينه على التأمل.
وللتفاصيل أثر في التأويل. فالكفن الأبيض الناصع أقرب إلى الصفاء والبدايات الجديدة، والمتسخ أو الممزق قد يشير إلى تعب نفسي أو أمور عالقة. وإذا ظهر في مكان مألوف فهو يتصل بالحياة اليومية، وإن ظهر في مكان غريب فهو يتصل بتجارب لم يعتدها الرائي بعد. ومما يُنتبه إليه أن اقتران الرمز بإضاءة هادئة يميل إلى الطمأنينة، واقترانه بظلام وضجيج يميل إلى القلق. وإذا كان المنام مشوشًا فالأرجح أنه من أضغاث الانشغال.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون هذا المنام دعوة إلى مراجعة ما يثقل الصدر من قلق وإحساس بالفقد تجاه مراحل مضت. ومن المفيد أن يتكلم الرجل مع صديق مقرب أو أحد أفراد أسرته، فكثير من الهموم تخف بالمشاركة. كما أن تنظيم النوم والحركة والراحة ينعكس على جودة الأحلام. وإذا استمر القلق أو اشتد فلا بأس من استشارة مختص في الصحة النفسية. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإنما قراءة رمزية عامة.
ويستطيع الرائي أن يحوّل الرؤيا إلى خطوات صغيرة نافعة. فقد يدوّن ما يرغب في تركه وما يريد بدءه، ويضع لكل أمر موعدًا واقعيًا. وقد يخصص وقتًا لزيارة الأقارب والأصدقاء وإعادة الصلة بهم. كما يفيده ترتيب أوراقه وأشيائه والتخلص مما لم يعد يحتاجه، فهذا يمنح النفس شعورًا بالتجدد. وبذلك يتحول الرمز إلى بداية لتحسن لا سببًا للخوف.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين. ومن حسن الظن بالله أن يطمئن الرائي وأن يدعو بالخير: اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وبدّل كل قلق سكينة ويسّر له أمره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على المنام قرار مصيري. فليستقبل يومه بقلب هادئ وأمل في الخير.
