قد يفزع المريض حين يرى كفنًا في منامه، ويحسن أن يُقال له بوضوح إن الأحلام لغة رمزية لا تُقرأ على ظاهرها، وإن هذه الرؤيا لا تدل على موت أحد ولا على مآل مرضه ولا على سيره أو شفائه. هي في الغالب انعكاس لما يحمله من تعب وقلق وتفكير طويل في حاله. وتتأثر الأحلام كثيرًا بالألم وقلة النوم وتغير الروتين وبعض الأدوية والانشغال بالصحة. لذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وتطمين. وفيما يلي عرض لأبرز المعاني الرمزية المحتملة دون جزم ولا تهويل.
يرتبط القماش الأبيض الملفوف في عالم الرموز بمعاني الطي والإغلاق، أي انتهاء مرحلة وبدء أخرى. وقد يعبّر عن الستر والسكينة، كما قد يشير إلى رغبة في التخلص من أعباء ثقيلة على النفس. ويمكن أن يعكس القلق والإحساس بالفقد تجاه أيام الصحة والنشاط التي ألفها صاحبه. وقد يحمل كذلك معنى الحاجة إلى الراحة وإلى بداية أهدأ. وهذه القراءات كلها رمزية نفسية لا علاقة لها بتوقع شيء عن الجسد.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثياب البيضاء النظيفة في المنام تميل إلى الستر وحسن الحال، وأن هيئة القماش تغيّر المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تُقرأ بحسب حال صاحبها وما يغلب على شعوره. وقد حذّر كثير من المفسرين أنفسهم من الجزم في ما يتعلق بالأمراض اعتمادًا على الأحلام. على أن الكفن من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، وتختلف فيه الآراء. فالأولى أن يؤخذ ما يُذكر على وجه الاستئناس لا الجزم.
يتغير معنى المنام بتغير السياق. فإذا رأى المريض القماش نظيفًا وهو مطمئن، مال التأويل إلى السكينة وطيّ ما أرهق النفس. وإذا رآه وهو خائف فقد يكون ذلك صدى لقلق من العلاج أو من النتائج أو من طول الانتظار. وللمكان دلالته، فرؤيته في البيت تتصل بالراحة والأسرة، ورؤيته في مكان غريب تتصل بالمجهول الذي يقلقه. وكلما تذكر الرائي شعوره الدقيق كانت القراءة أقرب إلى حاله.
أما المريض تحديدًا فيجب التأكيد أن هذا الحلم لا يدل على مآل المرض ولا على تحسنه أو تأخره. فقد يعبّر الكفن عن رغبة في طيّ مرحلة التعب والعودة إلى الراحة والطمأنينة. وقد يعكس إحساسه بأن حياته تغيّرت بسبب ما يمر به وأن عليه إعادة ترتيب يومه. وربما كان صدى لتفكير طويل في المرض قبل النوم. ولا يصح أن يُبنى على الرؤيا أي قرار يتعلق بالعلاج أو بالمتابعة.
وقد تتصل الرؤيا بعلاقاته مع أهله ومن يعتني به. فقد تعبّر عن رغبته في قربهم منه وفي الإحساس بالأمان معهم. وقد تعكس خوفه من إثقال من حوله أو من فقد استقلاله. كما قد ترمز إلى حاجته إلى الكلام عمّا يشعر به دون تكلف. وفي كل ذلك صاحب الرؤيا أدرى بحاله، والمنام مجرد مرآة لمشاعره.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في التأويل. فالقماش الأبيض الناصع أقرب إلى الصفاء والراحة، والباهت أو المتسخ قد يعكس إرهاقًا نفسيًا. وإذا ظهر ضوء هادئ أو صوت مألوف فذلك يميل إلى الطمأنينة. وإن اقترن بضجيج وظلام فقد يعبّر عن توتر وأرق. وإذا كان الحلم مبهمًا فالغالب أنه من أضغاث التعب.
ومن الجانب العملي والنفسي، المهم أن يتابع المريض علاجه مع طبيبه وأن يخبره بما يقلقه، فالمنام لا يغني عن ذلك ولا يغيّر شيئًا منه. ويفيده أن يتكلم مع أحد أهله أو صديق مقرب عمّا يخيفه، فالمشاركة تخفف الكثير. كما أن الراحة والنوم المنتظم والغذاء المناسب بتوجيه الطبيب تقلل الأحلام المزعجة. وإذا استمر القلق شديدًا أو ظهرت أفكار مقلقة فلا بد من الكلام مع مختص نفسي أو أحد الأهل. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإنما قراءة رمزية عامة.
ويمكن للمريض أن يحوّل أثر المنام إلى خطوات هادئة. فقد يخصص وقتًا للقراءة الخفيفة أو الاستماع إلى ما يحب أو الجلوس مع الأحبة. وقد يكتب ما يقلقه ليعرضه على طبيبه أو على من يثق به. كما أن العناية بتفاصيل يومه الصغيرة تمنحه شعورًا بالسيطرة على يومه والطمأنينة. وقد يجد في الإصغاء إلى صوت مألوف أو في الجلوس قرب نافذة مشمسة ما يهدئ نفسه ويخفف توتره. وبهذا يصير الرمز دعوة إلى الرفق بالنفس لا سببًا للخوف.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ مرتبة اليقين. ومن حسن الظن بالله أن يطمئن الرائي وأن يدعو بالخير: اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وبدّل كل قلق سكينة وألبسه ثوب العافية. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يُبنى على المنام شيء يتصل بالصحة. فليستقبل يومه بقلب مطمئن ورجاء في الخير.
