حين يرى المسافر كفنًا في منامه قد يشعر بالقلق وهو بعيد عن أهله ومكانه المألوف، غير أن الأحلام لغة رمزية لا تُقرأ على ظاهرها، وهذه الرؤيا لا تدل على موت أحد ولا على سوء في الطريق. هي في الغالب انعكاس لما يحمله المسافر من مشاعر الغربة والشوق وكثرة التنقل والتفكير. وتتأثر الأحلام بالإرهاق وتغير المكان والمواعيد. لذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وروية. وفيما يلي عرض لأبرز المعاني المحتملة مع الاحتياط الواجب.
يرتبط القماش الأبيض الملفوف في عالم الرموز بمعاني الطي والإغلاق، أي انتهاء مرحلة وبدء أخرى. وقد يعبّر عن الستر والسكينة، كما يشير إلى رغبة في التخلص من أعباء قديمة وعادات ثقلت على النفس. ويمكن أن يعكس قلقًا من التغيير أو إحساسًا بالفقد تجاه المكان والأهل. وقد يحمل أيضًا معنى البدايات الجديدة التي تتهيأ لها النفس. وهذه كلها احتمالات لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثياب البيضاء النظيفة في المنام تميل إلى الستر وحسن الحال، وأن هيئة القماش تغيّر المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرؤيا تُقرأ بحسب حال صاحبها وما يغلب على شعوره. وقد ذُكر في كتب التفسير أن حال المسافر وغربته تدخل في تأويل ما يراه. على أن الكفن من الرموز الأقل تناولًا بالتفصيل في الكتب القديمة، ولذلك تتعدد فيه الآراء. فالأولى أن يؤخذ ما يُذكر على وجه الاستئناس.
يؤثر السياق في معنى المنام. فإذا رأى المسافر القماش نظيفًا وهو مطمئن، مال التأويل إلى صفاء وانتهاء مرحلة بسلام. وإذا رآه وهو خائف فقد يكون ذلك صدى لتعب الطريق أو لقلق من المجهول. وللمكان دلالته، فرؤيته في بيته الأول تتصل بالشوق والحنين، ورؤيته في مكان الغربة تتصل بالتجربة الجديدة. وكلما تذكر الرائي شعوره الدقيق كانت القراءة أصدق.
أما المسافر تحديدًا فقد يرتبط الكفن عنده بانتهاء رحلة أو عمل في بلد أو مرحلة غربة وبدء أخرى. وقد يعبّر عن رغبته في العودة وترتيب حياته بين أهله، أو في الاستقرار بعد كثرة التنقل. وربما عكس إحساسه بأن بعض الأشياء التي ألفها قبل سفره لم تعد كما كانت. وليس في المنام ما يتعلق بسلامة سفره أو بما يصيب من يحبهم. إنما هو صورة نفسية تعبّر عن الانتقال والترقب.
وقد تتصل الرؤيا بعلاقاته مع أهله وأصدقائه. فقد تعبّر عن اشتياقه إليهم ورغبته في تجديد الصلة بعد طول غياب. وقد تعكس خوفه من أن تتغير الأمور في غيابه. كما قد ترمز إلى استعداده لمرحلة أكثر استقرارًا. وصاحب الرؤيا أدرى بحاله، والتفسير مجرد مرآة تعينه على التأمل.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في التأويل. فالكفن الأبيض الناصع أقرب إلى الصفاء والبدايات الجديدة، والمتسخ أو الممزق قد يشير إلى إرهاق نفسي أو أمور عالقة. وإذا ظهر القماش في محطة أو مطار فهو يتصل بالانتقال نفسه، وإذا ظهر في بيت مألوف فهو يتصل بالحنين. وإذا اقترن بإضاءة هادئة مال إلى الطمأنينة، وإذا اقترن بضجيج وزحام مال إلى القلق. وإن كان الحلم مبهمًا فالغالب أنه من أضغاث التعب.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى الانتباه لما يثقل المسافر من قلق وإحساس بالفقد. ومن النافع أن يتواصل مع أهله وأصدقائه باستمرار بالمكالمات والرسائل، فالصلة تخفف الغربة. كما أن تنظيم النوم والطعام وأوقات الراحة وسط الترحال يحسّن المزاج. وإذا استمر القلق أو اشتد فلا بأس من استشارة مختص في الصحة النفسية. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإنما قراءة رمزية عامة.
ويمكن للمسافر أن يحوّل المنام إلى خطوات صغيرة نافعة. فقد يكتب ما يريد إنجازه قبل انتهاء رحلته وما يريد ترتيبه عند عودته. وقد يخصص وقتًا ثابتًا للتواصل مع الأحبة. كما أن ترتيب حقائبه وأغراضه والتخلص مما لا يحتاجه يمنحه شعورًا بالتجدد. وقد يجد في المشي في الهواء الطلق أو الاستماع إلى ما يحب ما يعيد إليه توازنه وثقته بغده. وبهذا يصير الرمز بابًا للتحسن لا سببًا للخوف.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ مرتبة اليقين. ومن حسن الظن بالله أن يطمئن الرائي وأن يدعو بالخير: اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وبدّل كل قلق سكينة ويسّر له طريقه ورده إلى أهله سالمًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على المنام قرار مصيري. فليستقبل يومه بقلب مطمئن وأمل في الخير.
