رؤية الكفن الأبيض في المنام من المشاهد التي قد توقظ الرائي بقلب مضطرب، لكنها في ميزان التأويل رؤيا رمزية وليست حرفية. اللون الأبيض والقماش الساتر يحملان في لغة الرموز معاني الهدوء والتغطية والانتقال من حال إلى حال. ولا ينبغي أن يُفهم هذا المشهد على أنه يدل على موت أحد أو على مكروه قريب، فالأحلام تتكلم بالصور لا بالوقائع. والأقرب أن يُقرأ المنام قراءة هادئة على أنه انعكاس لما يشعر به الرائي من نهايات وبدايات في حياته. وما يلي محاولة لفهم الصورة بحسب أحوال الرائين وتفاصيلها.
يرمز الكفن في عالم الأحلام إلى فكرة الإغلاق، أي أن مرحلة ما بلغت تمامها وآن لها أن تُطوى. وقد يعبّر عن التخلي عن عادة قديمة أو علاقة منتهية أو عبء ثقيل ظل الرائي يحمله زمنًا طويلًا. ويحمل أيضًا معنى الستر والسكينة، فالقماش الأبيض يغطي ويهدّئ ويمنح إحساسًا بالانتهاء المطمئن. وقد يعكس المشهد قلقًا كامنًا من الفقد أو من التغيير، أو شوقًا إلى بداية جديدة نظيفة. وليس شيء من هذا جزمًا، وإنما هي احتمالات تتفاوت بحسب حال كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثياب البيضاء عمومًا تُحمل في التأويل على صفاء الحال وبياض الصفحة وحسن الستر، وأن القماش النظيف أقرب إلى الخير من المتسخ. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن لون القماش وحالته يؤثران في الدلالة، فالنظيف المرتب يميل إلى الراحة والطمأنينة. غير أن هذه الأقوال وردت في سياق الثياب والأقمشة بوجه عام، ولم يُتناول الكفن بعينه بالتفصيل الكبير في الكتب القديمة. والرموز الأقل شيوعًا كهذا الرمز تتباين فيها الآراء، ولذلك لا يصح الاعتماد على قول واحد ولا الجزم بنسبته. ويبقى الأنفع أن ينظر الرائي إلى المنام في ضوء حياته الحاضرة.
يتغير المعنى بحسب ما يصاحب الرؤيا من مشاعر وأحداث. فإن شعر الرائي بالهدوء أثناء الرؤيا فالأقرب أنها تعكس استعدادًا لطي صفحة قديمة بسلام. وإن شعر بالخوف أو الضيق فقد تشير إلى قلق من تغيير قادم أو تعلق بشيء يصعب تركه. وللمكان والإضاءة والأشخاص الحاضرين أثر في القراءة، فالمشهد الهادئ المضيء غير المشهد المظلم المربك. ومن المفيد أن يتذكر الرائي ما كان يشغله قبل النوم، فكثيرًا ما تكون الصور صدى لتفكير النهار.
بالنسبة للفتاة العزباء، قد يشير الكفن الأبيض إلى مرحلة من حياتها توشك أن تنتهي، كدراسة أو وظيفة أو ارتباط لم يكتمل، مع بداية أنقى بعدها. وقد يعكس البياض رغبتها في صفحة جديدة بلا أثقال الماضي وما فيه من خيبات. وقد يكون صدى لخوفها من التغيير أو من الوحدة في مرحلة انتقالية. أما المرأة المتزوجة فقد يرمز عندها إلى انتهاء مرحلة في البيت أو العلاقة الأسرية، كانشغال طويل بالأولاد أو إنهاء خلاف قديم، وفتح باب أكثر سكينة. ويظل ذلك قراءة رمزية لا تنبئ بوقوع شيء.
وبالنسبة للرجل، قد يُقرأ الكفن الأبيض على أنه رغبة في إنهاء عمل مرهق أو التخلص من التزام ثقيل أو مغادرة نمط حياة استنفد طاقته. وقد يعكس تعب سنوات من المسؤولية وحاجته إلى هدوء وتجديد. وبالنسبة للطالب أو الموظف الشاب، قد يشير إلى نهاية مرحلة دراسية أو تدريبية وانتظار بداية مهنية جديدة، مع ما يصاحب ذلك من ترقب وتوتر طبيعيين. وفي كل ذلك يبقى المعنى متصلًا بحال الرائي النفسية لا بأي حدث خارجي.
تؤثر التفاصيل الدقيقة في القراءة. فالبياض الناصع النظيف يميل إلى معنى الصفاء والاطمئنان وبداية خالية من الأعباء، بينما يشير البياض الباهت المائل إلى الصفرة إلى تردد في ترك ما مضى. وإن كان القماش مرتبًا وجيد الطيّ فقد يدل على نهاية منظمة هادئة لمرحلة ما، وإن كان مبعثرًا فقد يشير إلى مشاعر غير مرتبة تجاه التغيير. ويُنظر كذلك إلى الموضع الذي ظهر فيه القماش والإحساس الذي صاحبه حين رآه الرائي.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون هذا المنام دعوة لطيفة للرائي كي يتأمل ما الذي يريد أن يُنهيه في حياته وما الذي يخشى فقده. ويفيد أن يكتب ما يشغله وأن يسمّي مشاعره، وأن يتواصل مع أحبته ويقضي وقتًا معهم، فالقرب من الأهل يخفف القلق من الفقد. والاهتمام بالنوم والغذاء والراحة النفسية يقلل من كثرة هذه الصور. وهذا التفسير ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، والحزن الشديد المستمر أو القلق من الفقد أو الأفكار المقلقة يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يختلف المفسرون في قراءته كما يختلف الرائون في أحوالهم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو ربه بأن يمنحه السكينة وصفاء القلب وبداية خير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا ينبغي أن تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية ولا مخاوف مقلقة. وليكن المنام باعثًا على التأمل الهادئ والتفاؤل لا على الخوف.
