الرؤيا لغة رمزية تحتمل أكثر من وجه، وما يراه النائم لا يُقرأ قراءة حرفية ولا يُتخذ أساسًا لقرار في الواقع. حين يرى الإنسان ابنه يرسم فإن المشهد يجمع رمز الابن مع رمز الرسم والألوان، وهما معًا يفتحان بابًا واسعًا للتأمل. وهذه صورة لطيفة في الغالب، وقد تكون صدى لانشغال بمواهب الابن أو لمشهد عابر رآه الرائي في يومه. ويعرض هذا المقال أبرز الاحتمالات بهدوء، مع الإشارة إلى أنها تتغير من رائٍ إلى آخر.
الابن في الرؤى رمز للامتداد والأمل والمستقبل، ولما يحمله الوالدان من رعاية ومسؤولية تجاهه. وقد يظهر في المنام حين يكون حاضرًا في التفكير، فيحمل شيئًا من تمنيات الرائي له. وأحيانًا تكون الصورة انعكاسًا للقلق الطبيعي الذي يرافق الوالدين على مستقبل أبنائهم دون أن يعني وجود ما يقلق فعلًا. أما الرسم فيرتبط عادة بالخيال والتصور والتخطيط وما يرسمه الإنسان لنفسه من صور عن الغد. فاجتماع الابن مع الرسم قد يشير إلى آمال الرائي في أن يرى لابنه مستقبلًا ملونًا بما يحب.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكتابة والنقش والتصوير في الرؤى تتصل في الجملة بالعلم والتقدير والتدبير بحسب حال صاحبها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للألوان والنقوش دلالات تتفاوت بحسب أنواعها وصفاتها. وأما الابن الذي يرسم فهو من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة بتفصيلها، فيجتهد المعاصرون في فهمها بالقياس على أصول الباب. ولذلك تتعدد الآراء، ولا يصح الجزم بمعنى واحد أو اعتماده كنتيجة ثابتة.
للسياق أثر كبير في فهم المشهد. فإذا كان الابن يرسم باستمتاع وتركيز وألوان زاهية، فالحلم أقرب إلى معاني الإبداع والراحة والتفاؤل. وإذا كان الرسم قاتمًا أو مبعثرًا أو كان الابن يمحوه مرارًا، فقد يعكس ذلك شعور الرائي بأن ابنه يحتاج إلى فرصة ليعبر عما في داخله. وإذا كان يعرض رسمه على الرائي، فقد يرمز ذلك إلى حاجته إلى الانتباه والتقدير. وانطباع الرائي أثناء الحلم من إعجاب أو حيرة قرينة مهمة في ترجيح الاتجاه.
إذا كان الرائي أبًا، فقد يعبر الحلم عن اهتمامه بما يميز ابنه من مواهب واهتمامات، وعن رغبته في أن يمنحه مساحة لينمو. وقد يكون صدى لانشغاله بالعمل فلا يجد وقتًا لمشاركة ابنه ألعابه ورسومه. وربما يعكس تمنيه أن يرى ابنه واثقًا بنفسه. وهي معان شائعة لدى الآباء، ولا تدل على أمر خارج المألوف.
وإذا كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط الصورة برسومات ابنها الصغيرة التي تحتفظ بها أو تعلقها في البيت. وقد تحمل فخرًا بما يبدعه، أو حنينًا إلى أيام كانت جدران البيت تحمل خطوطه الأولى. وقد تعبر أيضًا عن رغبتها في أن يجد ابنها ما يفرغ فيه مشاعره بأمان. وفي ذلك معنى رقيق من معاني الأمومة التي تتابع تفاصيل أبنائها.
أما من ليس له أبناء، فقد يرمز الابن الراسم في حلمه إلى جانب خيالي في نفسه يريد أن يظهر، أو إلى فكرة أو مشروع في طور التشكل. وقد يتصل بحاجة إلى رسم خطة للأيام المقبلة وترتيب الأولويات. وقد يظهر عند من يتمنى أسرة فيعكس رجاءه في بيت دافئ. ولا يصح هنا استخراج خبر جازم عن زواج أو إنجاب، فالمقصود هو المعنى الرمزي العام للتصور والأمل.
وتؤثر التفاصيل الدقيقة في الدلالة. فموضوع الرسم مهم، فرسم البيت والأسرة والشمس يميل إلى معنى الألفة والدفء، ورسم الطرق والسفن والطيور قد يميل إلى معنى التطلع والرحلة. والألوان الزاهية توحي بالتفاؤل، بينما الرمادي أو الداكن قد يوحي بالتفكير العميق أو التعب العابر. وإن كان الرسم على جدار أو ورق أو رمل فالمادة نفسها تحمل إيحاءً بالثبات أو الزوال. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا قواعد ثابتة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الجلوس مع الابن وسؤاله عما يرسمه وما يقصده بألوانه، دون تقييم أو مقارنة. فالاستماع إلى الأبناء والاهتمام بهم والحوار الهادئ معهم يمنحهم الأمان ويخفف قلق الوالدين الذي يتسلل إلى الأحلام. ويمكن أن تكون الرسومات وسيلة لطيفة للتقارب بين الوالد وابنه. وليس هذا التفسير نصيحة طبية أو تربوية متخصصة. وإذا كان القلق على الأبناء شديدًا ومستمرًا ويؤثر في النوم أو الحياة اليومية، فمن الجيد التحدث مع مختص أو أحد أفراد الأسرة الموثوقين.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني عن حسن التصرف في الواقع ولا عن الرجوع إلى أهل الاختصاص عند الحاجة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُبنى عليها قرارات مصيرية. ومن الخير للرائي أن يدعو لأبنائه بالصلاح والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه فيما يستقبله من أيام. وفي الدعاء أن يرزقه الله الطمأنينة وأن يكتب لأبنائه الخير. والله أعلم بحقيقة الأمور.
