الرؤيا لغة رمزية تحتمل أكثر من وجه، وما يراه النائم لا يُقرأ قراءة حرفية ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الواقع. حين يرى الإنسان ابنه بوجه مختلف عما اعتاد، فيعرف أنه ابنه لكن ملامحه ليست ملامحه المعتادة، فإن الصورة غريبة في ظاهرها لكنها شائعة في الأحلام. فالنفس كثيرًا ما تركب الوجوه من انطباعات متعددة، ولذلك لا يتوقف المعنى عند تفاصيل الوجه نفسه. ويعرض هذا المقال أبرز الاحتمالات بهدوء، مع الإشارة إلى أنها تتغير بتغير حال الرائي.
الابن في الرؤى رمز للامتداد والأمل والمستقبل، ولما يحمله الوالدان من رعاية ومسؤولية تجاهه. وقد يظهر في المنام بوجه مختلف حين يكون الرائي منشغلًا بتغير في طباعه أو أحواله أو بما يخفيه عنه. وأحيانًا تكون الصورة انعكاسًا للقلق الطبيعي الذي يرافق الوالدين حين يشعران بأن ابنهما أصبح مختلفًا عما كان. أما الوجه فيدل في الغالب على الهوية والمشاعر والصورة التي يعرف بها الإنسان. فاجتماع الابن مع وجه مختلف قد يشير إلى جانب جديد في شخصيته أو في نظرة الرائي إليه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الوجه في الرؤى يرتبط في الجملة بالحال والمنزلة وما يظهر من أمر الإنسان، وأن تغير الوجه يدل على تغير الحال بحسب صفته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للوجه وهيئته دلالات تتفاوت بحسب حسنه وقبحه ونضارته وما يصاحبه من أمور. وأما رؤية ابن بوجه مختلف تحديدًا فهي من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة بتفصيلها، فيجتهد المعاصرون في فهمها بالقياس على أصول الباب. ولذلك تتعدد الآراء، ولا يصح الجزم بمعنى واحد.
للسياق أثر كبير في فهم المشهد. فإذا كان الوجه المختلف مبتسمًا هادئًا والرائي مطمئنًا، فالحلم أقرب إلى معاني الانفتاح على جانب جديد من الابن وتقبل تغيره بحب. وإذا كان الرائي يشعر بالارتباك أو الغرابة، فقد يعكس ذلك رغبة في فهم ما يمر به ابنه من تغيرات. وإذا كان الابن يتعرف إلى الرائي رغم اختلاف ملامحه، فقد يرمز ذلك إلى رابطة تتجاوز المظهر. وانطباع الرائي أثناء الحلم من فضول أو دهشة أو حنان قرينة مهمة في ترجيح الاتجاه.
إذا كان الرائي أبًا، فقد يعبر الحلم عن إحساسه بأن ابنه يتغير مع النمو، فيظهر له أحيانًا بوجه لم يعتده. وقد يكون صدى لمرحلة مراهقة أو لتحول في اهتمامات ابنه وطريقة كلامه. وربما يعكس رغبته في أن يتعرف على ابنه من جديد ويصغي إلى ما يشغله. وهي معان شائعة عند الآباء، ولا تدل على أمر خارج المألوف.
وإذا كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط الصورة بشعورها أن ابنها يبدو في بعض الأحيان شخصًا آخر عندما يغضب أو يفرح أو يكبر. وقد تحمل مزيجًا من الدهشة والحنان، ومن الرغبة في فهم ما تغير فيه. وهذا الشعور شائع ولا يعني وجود مشكلة، بل هو من صور الحب الذي يتجدد مع كل مرحلة. ولعل الحلم يعبر عن استعدادها لرؤية ابنها بعيون جديدة.
أما من ليس له أبناء، فقد يرمز الابن بوجه مختلف في حلمه إلى جانب في نفسه لم يتعرف عليه بعد، أو إلى مشروع يتخذ شكلًا غير الذي تصوره. وقد يعبر عن أمل لم تتضح ملامحه. وقد يظهر عند من يتمنى أسرة فيعكس رجاءه وتساؤله عن المستقبل. ولا يصح هنا استخراج خبر جازم عن زواج أو إنجاب، فالمقصود هو المعنى الرمزي العام للتغير والأمل.
وتؤثر التفاصيل الدقيقة في الدلالة. فطبيعة الاختلاف مهمة، فالوجه الأجمل والأصفى يميل إلى معنى الارتياح، والوجه المتعب أو الشاحب قد يميل إلى معنى الحاجة إلى عناية. ولون البشرة وهيئة العينين قرينة أيضًا، فالعينان المشرقتان توحيان بالأمل، والعينان الحائرتان توحيان بالتساؤل. وإن كان الوجه يتبدل أثناء الحلم من ملامح إلى أخرى فقد يشير ذلك إلى تعدد مشاعر الرائي نحو ابنه. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا قواعد ثابتة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى التعرف إلى الابن من جديد، بالاستماع إليه وسؤاله عما يحبه وما يتعبه دون آراء مسبقة. فالاهتمام بالأبناء والحوار الهادئ معهم يمنحهم الأمان ويخفف قلق الوالدين الذي يتسلل إلى الأحلام. ومن المفيد أن يتقبل الوالد تغير ابنه مع الأيام وأن يظل بابه مفتوحًا للمحادثة. وليس هذا التفسير نصيحة طبية أو تربوية متخصصة. وإذا كان القلق على الأبناء شديدًا ومستمرًا ويؤثر في النوم أو الحياة اليومية، فمن الجيد التحدث مع مختص أو أحد أفراد الأسرة الموثوقين.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني عن حسن التصرف في الواقع ولا عن الرجوع إلى أهل الاختصاص عند الحاجة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُبنى عليها قرارات مصيرية. ومن الخير للرائي أن يدعو لأبنائه بالصلاح والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه فيما يستقبله من أيام. وفي الدعاء أن يرزقه الله الطمأنينة وأن يهديه إلى ما فيه الخير. والله أعلم بحقيقة الأمور.
