رؤية بناء الدرج في المنام مشهد يحمل إحساس الإنشاء والتخطيط، فالرائي يضع الدرجات واحدة فوق أخرى أو يراها تُبنى أمامه. وقد يبني بنفسه أو يشرف على عمال، وقد يكون الدرج في بيته أو في مكان لا يعرفه. وقد تناول المعبرون مثل هذه الصور باجتهادات متفاوتة تبقى كلها في دائرة الاحتمال. والرؤيا رمزية، وقد تكون انعكاسًا لما يشغل الرائي في يقظته من مشاريع وبدايات. وهذا المقال يعرض ما قيل في دلالتها بهدوء ودون جزم.
الدرج رمز للتدرج وتتابع المراحل، والبناء فعل يوحي بالإنشاء والتخطيط وتثبيت اللبنات واحدة بعد أخرى. فإذا اجتمعا، فقد يعبّر المشهد عن بناء الرائي لمسار يريده، أو عن تدرج في مشروع يقيمه مرحلة مرحلة، أو عن اهتمام بوضع أسس متينة. وقد يعبّر عن همة ومثابرة، وقد يعبّر عن شعور بأن الطريق لم يكتمل بعد. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالمعنى يتحدد بحال الرائي. والرمز يبقى مفتوحًا على أكثر من قراءة.
نُسب إلى ابن سيرين في أمثال هذه الرؤى أن البناء في الرؤيا قد يدل على سعي صاحبه في إنشاء أمر وإقامته، وأن إتقانه يدل على حسن تدبيره. ونُسب إليه أن مادة البناء ومتانته يؤثران في المعنى، فالمتين الراسخ غير الهش. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاحتمال، وقد تختلف صيغتها من كتاب إلى آخر. فلا يجعلها الرائي دليلًا قاطعًا، وإنما يستأنس بها في التأمل.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدرج وسيلة يتوصل بها إلى المقصد، وأن بناءه قد يرمز إلى إعداد الوسيلة وتهيئة أسباب الوصول. وأشار بحسب ما يُروى عنه إلى أن حال الباني من نشاط وإتقان يعين على فهم المعنى. وتختلف آراء المعبرين، فمنهم من يميل إلى معنى التأسيس المحمود، ومنهم من يميل إلى معنى الانشغال بالتحضير طويلًا. وكلها اجتهادات لا ترقى إلى القطع.
يتغير المعنى بتغير السياق، فبناء الدرج في بيت يعرفه الرائي يختلف عن بنائه في أرض خالية. والشعور المصاحب مهم، هل كان الرائي مستمتعًا بالبناء أم متعبًا منه أم متعجلًا لإنهائه. كما أن مادة البناء مؤثرة، فالحجر يوحي بالصلابة، والخشب بالمرونة، والإسمنت بالثبات. وإلى أين يصل الدرج الذي يبنيه يضيف قرينة أخرى. وتُقرأ هذه التفاصيل مجتمعة.
بالنسبة للطالب، قد يرتبط بناء الدرج بوضع خطة دراسية على مراحل متدرجة، أو بتأسيس معرفته الأولى في علم جديد. وبالنسبة للموظف أو صاحب المشروع، قد يعبّر المشهد عن بناء مسار مهني أو مشروع على مراحل. وقد يرتبط عند من يخطط لبناء بيت أو توسعة بانشغاله الحقيقي بذلك. وهذه احتمالات تتوقف على حال كل رائٍ، ولا يصح تعميمها. والمنام هنا قد يكون صدى لأفكار التأسيس في اليقظة.
وللمرأة قد يعبّر بناء الدرج عن إقامة نظام جديد في بيتها أو عن بناء مشروع صغير على مراحل. وللمتزوج قد يشير المشهد إلى خطة مشتركة مع الشريك لبناء استقرار الأسرة تدريجيًا. أما الشاب فقد يرى فيه أسس طريقه المهني أو العلمي وهي تتشكل. وكبير السن قد يعبّر المنام عنده عن حرصه على ترك شيء نافع بعده. ويؤكد المعبرون أن الحال الشخصية أول مفاتيح الفهم.
ومن التفاصيل ما يتعلق بشكل البناء، فالدرج المتدرج المنتظم يوحي بخطة واضحة، والدرج المعوج قد يوحي بحاجة إلى مراجعة التصميم. وإذا كان الرائي يضع الدرجات بإتقان فقد يعبّر ذلك عن عناية بالتأسيس، وإذا كان يستعجل فقد يعبّر عن رغبة في اختصار المراحل. وإذا شاركه أحد في العمل فقد يرمز ذلك إلى تعاون، وإذا أتم البناء فقد يرمز إلى ارتياح بإنجاز. وإن توقف في منتصف البناء فالمعنى يبقى مفتوحًا بين انتظار وتأجيل. وكل هذا على سبيل الاحتمال والاجتهاد.
ومن الزاوية النفسية، يمكن أن يُفهم المنام على أنه تذكير بأن الأمور الكبيرة تُبنى بلبنات صغيرة متتابعة، وأن الأساس المتين أهم من السرعة. ومن المفيد أن يضع الرائي مخططًا لهدفه، وأن يقسمه إلى مراحل، وأن يحدد لكل مرحلة موادها ومدتها، وأن يراجع تقدمه بانتظام. وفي الواقع ينبغي أن يُبنى الدرج الحقيقي بمعرفة مختص، وبمراعاة ارتفاع الدرجات واتساعها وحاجزها، لأن السلامة تبدأ من التصميم. وهذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بدوار مستمر أو ضعف في التوازن فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا. والحلم وحده لا يصلح أساسًا لتقدير حال الجسد أو النفس.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني في فهم الرموز، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُلزم الرائي بشيء ولا تقوم مقام السعي المتزن. وحسن الظن بالله والدعاء بالخير والتوفيق والسلامة هما خير ما يلجأ إليه الرائي بعد الاستيقاظ. ويُسأل الله أن يبارك في كل بناء نافع، وأن ييسّر إتمامه.
