رؤية عد الدرجات في المنام مشهد يغلب عليه التركيز والتدقيق، فالرائي يمر بكل درجة ويحصيها واحدة بعد أخرى. وقد يكون العدد واضحًا في المنام وقد يضيع منه، وقد يتذكره الرائي عند الاستيقاظ وقد ينساه. وقد تناول المعبرون مثل هذه الصور باجتهادات متفاوتة تبقى كلها في دائرة الاحتمال. والرؤيا رمزية، وقد تكون انعكاسًا لما يشغل الرائي في يقظته من حسابات وتقديرات. وهذا المقال يعرض ما قيل في دلالتها بهدوء ودون جزم.
الدرج رمز للتدرج وتتابع المراحل، والعد فعل يوحي بالتدقيق والتقدير والرغبة في معرفة المسافة المتبقية. فإذا اجتمعا، فقد يعبّر المشهد عن اهتمام الرائي بمراحل طريقه وحرصه على معرفة موضعه منها. وقد يعبّر عن رغبة في الاطمئنان إلى أن الخطة تسير على ما يرام، وقد يعبّر عن انشغال زائد بالتفاصيل. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالمعنى يتحدد بشعور الرائي. وليس للعدد نفسه معنى ثابت يُجزم به، فالأرقام في الرؤى تُقرأ بحسب صلتها بحياة الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أمثال هذه الرؤى أن العدّ في الرؤيا قد يدل على إحصاء الأمور والتدبر في الأحوال، وأن ما يُعدّ قد يرتبط بمقداره في الواقع. ونُسب إليه أن العدّ الهادئ المنظم أقرب إلى دلالة التدبير، وأن العدّ المضطرب أقرب إلى دلالة الحيرة. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاحتمال، وقد تختلف صيغتها من كتاب إلى آخر. فلا يجعلها الرائي قاطعة، وإنما يستأنس بها في التأمل.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدرج وسيلة يتوصل بها إلى المقصد، وأن عدد درجاته قد يرمز إلى عدد المراحل أو المدة اللازمة لبلوغه. وأشار بحسب ما يُروى عنه إلى أن إحصاء الأمر قد يدل على الاعتناء به. وتختلف آراء المعبرين، فمنهم من يعطي للعدد دلالة، ومنهم من يرى أن الأرقام لا تُقطع بها دلالة محددة. وكلها اجتهادات لا ترقى إلى القطع، والأولى ألا يُتعلق بالأعداد تعلقًا مبالغًا فيه.
يتغير المعنى بتغير السياق، فالعد الذي يجري بسهولة يختلف عن عد يتعثر فيه الرائي فيعيد من البداية. والشعور المصاحب مهم، هل كان الرائي مستمتعًا بالتدقيق أم قلقًا من الخطأ. كما أن سبب العد مؤثر، فقد يعدّ ليعرف المتبقي، وقد يعدّ بدافع الفضول، وقد يعدّ لأن أحدًا طلب منه ذلك. وحال الدرج من طول واتساع وإضاءة يضيف قرائن أخرى. وتُقرأ هذه التفاصيل مجتمعة.
بالنسبة للطالب، قد يرتبط عد الدرجات بحساب الأيام المتبقية على اختبار، أو بتقدير ما أنجز من المقرر وما بقي. وبالنسبة للموظف أو صاحب العمل، قد يعبّر المشهد عن مراجعة خطة ومراحلها وحسابات مشروع. وقد يرتبط عند من يدخر أو يرتب شؤونه بحرصه على الدقة. وهذه احتمالات تتوقف على حال كل رائٍ، ولا يصح تعميمها. والمنام هنا قد يكون صدى لعادة التدقيق في اليقظة.
وللمرأة قد يعبّر عد الدرجات عن ترتيب دقيق لشؤون البيت وأعماله، أو عن تقدير لما أنجزته وما بقي. وللمتزوج قد يشير المشهد إلى حسابات مشتركة تحتاج إلى تنظيم. أما الشاب فقد يرى فيه رغبة في معرفة مدى بعد هدفه. وكبير السن قد يعبّر المنام عنده عن استعراض لمراحل عمره. ويؤكد المعبرون أن الحال الشخصية أول مفاتيح الفهم.
ومن التفاصيل ما يتعلق بنتيجة العد، فإن انتهى الرائي إلى عدد محدد فقد يحمله على فكرة تقدير للمدة أو للمراحل بحسب صلته بحياته، دون جزم. وإذا نسي العدد أو اختلط عليه فقد يعبّر ذلك عن كثرة الأفكار المتزاحمة. وإذا كان يعدّ بصوت مسموع فقد يوحي بالرغبة في التوثيق والتأكد، وإذا كان يعدّ في سره فقد يوحي بتأمل داخلي. وإن لم ينتهِ العد قبل الاستيقاظ فالمعنى يبقى مفتوحًا. وكل هذا على سبيل الاحتمال والاجتهاد.
ومن الزاوية النفسية، يمكن أن يُفهم المنام على أنه تذكير بأهمية التخطيط التدريجي، فتقسيم الطريق إلى مراحل معدودة يجعله أيسر على النفس. ومن المفيد أن يحدد الرائي خطواته الواقعية بتواريخ مرنة، وأن يحتفل بإتمام كل مرحلة، وألا يبالغ في المراقبة حتى لا يتحول التدقيق إلى قلق. وفي الواقع ينبغي ألا يشغل عد الدرجات المرء عن النظر إلى موضع قدمه، فالسلامة مقدمة. وهذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بقلق مفرط أو بدوار مستمر فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا. والحلم وحده لا يصلح أساسًا لتقدير حال الجسد أو النفس.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني في فهم الرموز، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُلزم الرائي بشيء ولا تقوم مقام السعي المتزن. وحسن الظن بالله والدعاء بالخير والتوفيق والسلامة هما خير ما يلجأ إليه الرائي بعد الاستيقاظ. ويُسأل الله أن يبارك في الوقت، وأن ييسّر كل أمر.
