رؤية سلالم كثيرة في المنام مشهد يربك الرائي أو يبهره، فهو يجد أمامه عدة سلالم متجاورة أو متقاطعة أو متراكبة في مبنى واسع. وقد تصعد بعضها وتنزل بعضها، وقد لا يعرف أيها يسلك. وقد تناول المعبرون مثل هذه الصور باجتهادات متفاوتة تبقى كلها في دائرة الاحتمال. والرؤيا رمزية، وقد تكون انعكاسًا لما يشغل الرائي في يقظته من خيارات وطرق متعددة. وهذا المقال يعرض ما قيل في دلالتها بهدوء ودون جزم.
الدرج رمز للتدرج وتتابع المراحل، وتعدد السلالم يوحي بتعدد الطرق والمسارات والمراحل. فهو أقرب إلى التعبير عن كثرة الخيارات أمام الرائي، أو عن تشعب أهدافه، أو عن شعور بأن الطريق ليس واحدًا. وقد يعبّر عن سعة في الفرص، وقد يعبّر عن حيرة من كثرة الاحتمالات. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالمعنى يتحدد بشعور الرائي. والرمز يبقى مفتوحًا على أكثر من قراءة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطرق والمسالك أن تعدد الطرق في الرؤيا قد يدل على تعدد وجوه الأمر وتشعب أسبابه. ونُسب إليه أن اختيار الطريق بوضوح وطمأنينة يدل على حسن التدبير، وأن الحيرة تدل على حاجة إلى مشورة. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاحتمال، وقد تختلف صيغتها من كتاب إلى آخر. فلا يجعلها الرائي دليلًا قاطعًا، وإنما يستأنس بها في التأمل.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدرج وسيلة يتوصل بها إلى المقصد، وأن كثرتها قد ترمز إلى كثرة الوسائل والأسباب. وأشار بحسب ما يُروى عنه إلى أن حال الرائي بين السلالم من وضوح أو حيرة يؤثر في المعنى. وتختلف آراء المعبرين، فمنهم من يميل إلى معنى السعة المحمودة، ومنهم من يميل إلى معنى التشتت. وكلها اجتهادات لا ترقى إلى القطع.
يتغير المعنى بتغير السياق، فالسلالم المرتبة في مبنى منظم تختلف عن سلالم متشابكة في متاهة. والشعور المصاحب مهم، هل كان الرائي متحمسًا للاختيار أم ضائعًا بين الطرق. كما أن مكان السلالم مؤثر، فهي في بيت مألوف تختلف عن مبنى ضخم مجهول. وحال الإضاءة واللافتات والعلامات يضيف قرائن أخرى. وتُقرأ هذه التفاصيل مجتمعة.
بالنسبة للطالب، قد يرتبط تعدد السلالم بتعدد التخصصات والخيارات الدراسية أمامه. وبالنسبة للموظف، قد يعبّر المشهد عن مسارات مهنية متعددة أو مشاريع متفرقة تتطلب ترتيبًا. وقد يرتبط عند من يفكر في أكثر من فرصة بتقليبه الأمور في ذهنه. وهذه احتمالات تتوقف على حال كل رائٍ، ولا يصح تعميمها. والمنام هنا قد يكون صدى للتفكير في الخيارات.
وللمرأة قد يعبّر تعدد السلالم عن كثرة الأدوار التي تؤديها بين البيت والعمل والأسرة، وعن حاجتها إلى ترتيب أولوياتها. وللمتزوج قد يشير المشهد إلى قرارات مشتركة متعددة تحتاج إلى تنسيق. أما الشاب فقد يرى فيه تعدد الاتجاهات أمام مستقبله. وكبير السن قد يعبّر المنام عنده عن استعراض لطرق كثيرة سلكها في حياته. ويؤكد المعبرون أن الحال الشخصية أول مفاتيح الفهم.
ومن التفاصيل ما يتعلق بسلوك الرائي، فإن اختار سلمًا واضحًا وصعد فقد يعبّر ذلك عن حسم، وإن تردد بين عدة سلالم فقد يعبّر عن حيرة. وإذا كانت السلالم تتقاطع فقد توحي بتداخل المسارات، وإذا كانت متوازية فقد توحي بخيارات منفصلة. وإذا صعد سلمًا ثم نزل إلى آخر فقد يعبّر ذلك عن مراجعة للاختيار، وإذا وجد لافتة فقد يرمز ذلك إلى حاجة إلى معلومة. وإن لم يصل إلى نهاية فالمعنى يبقى مفتوحًا. وكل هذا على سبيل الاحتمال والاجتهاد.
ومن الزاوية النفسية، يمكن أن يُفهم المنام على أنه دعوة إلى ترتيب الأولويات واختيار طريق واحد في كل مرة، فالتشتت بين طرق كثيرة يضعف الخطوات. ومن المفيد أن يكتب الرائي خياراته، وأن يقارن بينها بهدوء، وأن يستشير من يثق به، ثم يبدأ بخطوة صغيرة في الاتجاه الذي يميل إليه. وفي الواقع ينبغي الانتباه إلى السلامة في المباني الكبيرة، بقراءة اللافتات واستعمال المنصات الآمنة وعدم الاستعجال عند التبديل بين السلالم. وهذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بدوار مستمر أو ضعف في التوازن فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا. والحلم وحده لا يصلح أساسًا لتقدير حال الجسد أو النفس.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني في فهم الرموز، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُلزم الرائي بشيء ولا تقوم مقام السعي المتزن. وحسن الظن بالله والدعاء بالخير والتوفيق والسلامة هما خير ما يلجأ إليه الرائي بعد الاستيقاظ. ويُسأل الله أن يهدي كل حائر إلى الأصلح، وأن يبارك في خطواته.
