رؤية درج يصغر فجأة في المنام من الرؤى التي تثير الدهشة، لأن الدرج يتقلص أمام الرائي حتى تبدو درجاته أقصر وأضيق مما كانت. ومع ذلك لا يصح أن تُفسَّر هذه الرؤيا تفسيرًا جازمًا، ولا أن يُعدّ صغره دليلًا على أمر بعينه. فالأحلام كثيرًا ما تغيّر أحجام الأشياء بلا سبب ظاهر، ومن طبيعتها أن تقلّص ما كان يشغل البال أو تضخمه. وما يُذكر هنا قراءة هادئة مستندة إلى ما نُقل عن أهل التعبير، وليست خبرًا عما سيكون. ومن الأفضل أن يأخذ الرائي منها ما ينفعه ويدع ما سواه.
الدرج مسار مؤلف من درجات متتابعة، لا يبلغ المرء نهايته إلا بتجاوز الدرجة تلو الأخرى. ولذلك ارتبط عند أهل الرمز بالتدرج والانتقال بين المراحل وبذل الجهد والثبات. أما صغره فجأة فقد يُقرأ قراءة نفسية على أنه صورة لأمر بدا كبيرًا ثم هان في النفس. وقد يُقرأ كذلك على أنه شعور بأن المطلوب أيسر مما كان متوقعًا، أو أن المسافة التي أمامه قصرت. ولا يُجزم بمعنى واحد، فالصورة تتسع لقراءات عدة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الدرج يرمز إلى الوسيلة التي يتوصل بها الإنسان إلى مطلوبه، وأن الصعود يختلف عن النزول في التأويل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدرج قد يشير إلى المنزلة وتدرج الأحوال والانتقال بين المراتب. ولا يُعرف عن هذه الأقوال أنها خصّت صغر الدرج المفاجئ بتفصيل، فيبقى الأمر اجتهادًا يُستأنس به. وهي أقوال متفاوتة في الثبوت ولا يُبنى عليها بناء مطلق. وقد يخالفها معبّر آخر، فالاختلاف في هذا الباب معروف.
للسياق أثر بالغ في فهم المشهد، فالدرج الذي يصغر والرائي عند أول درجة غير الذي يصغر وهو في منتصفه. ومن المفيد أن يتذكر الرائي كم صار حجم الدرج، وماذا كان شعوره، وهل تابع الصعود أم توقف، وهل شعر بالاطمئنان أو بالضيق. وقد يتبدل المعنى بتبدل هذه التفاصيل، فالدهشة الهادئة غير الانزعاج، والارتياح غير الإحساس بضياع الفرصة. وشعوره عند الاستيقاظ جزء من الصورة، فالارتياح يوحي بقراءة والانزعاج يوحي بأخرى. ولذلك يحسن وصف الرؤيا كاملة.
قد يرى هذا المنام من كان يخشى مهمة ثم وجدها أسهل مما ظن، فيتجسد ذلك في درج يتقلص كلما اقترب منه. وقد يُقرأ الاستمرار في الصعود بعد صغره على أنه ميل إلى المضي بثقة، ويُقرأ التوقف على أنه استغراب من سهولة الأمر. وقد يُقرأ الشعور بالضيق من صغره على أنه رغبة في طريق أطول وأرحب. وقد يُقرأ شعور الراحة على أنه ارتياح من قصر المسافة. وكل ذلك احتمال لا يُلزم به الرائي.
وقد يُفهم تقلص الدرج على أنه أثر طبيعي لطبيعة الأحلام التي تغيّر الأحجام، فلا يُحمَّل أكثر مما يحتمل. ولا يصح أن تُتخذ الرؤيا دليلًا على سهولة قادمة أو على ضيق فرصة أو أي نتيجة، فذلك ظن لا يسنده شيء. وإن رأى الرائي أحدًا بجانبه عند صغر الدرج فقد يُقرأ ذلك على أنه حاجة إلى رفقة، ولا يُبنى عليه مدح أو ذم لأحد. والأولى أن يتجه النظر إلى حجم ما يشغله في يقظته وهل يحتاج إلى تقدير أدق. وبذلك تبقى الرؤيا بابًا للتأمل لا للاطمئنان المتعجل.
وللتفاصيل مدخل في الفهم، فالدرج الذي يضيق عرضه قد يوحي بحاجة إلى التركيز، والذي يقصر ارتفاعه قد يوحي بقصر المرحلة. والدرج الذي يصغر تدريجيًا قد يوحي بتراجع الشعور بالعبء، والذي يصغر دفعة واحدة قد يوحي بمفاجأة. ووجود سياج يُمسك به قد يُقرأ على أنه حاجة إلى سند معنوي، وغيابه على أنه اعتماد على النفس. وعدد الدرجات المتبقية قد يوحي بمقدار ما بقي من الطريق، دون جزم بذلك. وهذه قرائن تعين على التفكر ولا تحسم المعنى.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا صدى لشعور بأن مهمة ما أيسر مما ظن الرائي، أو لرغبة في اختصار الطريق. ويفيد أن يدوّن الرائي ما رآه وما شعر به، ثم يراجع ما يشغله في يقظته ليتأكد من تقديره له تقديرًا واقعيًا. وإذا كان الاستسهال يوقعه في العجلة أو كان نومه مضطربًا أو كان القلق يرهقه، فالأنسب أن يتحدث مع شخص يثق به أو مع مختص. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة من يعرف حاله. وبذلك ينتفع بالرمز دون أن يحمّله ما لا يحتمل.
وإذا تكررت الرؤيا، فقد يكون السبب انشغال الذهن بأمر واحد أكثر من كونه دلالة خاصة. وينفع حينئذ أن ينظم الرائي وقته ويتذكر أن الأمور الصغيرة في ظاهرها قد تحتاج إلى عناية، وأن الاستعداد لا يضر. والدرس العملي الذي يوحي به الدرج أن الطريق يُقطع بخطوات متتابعة، قصر أو طال. ولا ينبغي أن ينتظر من المنام وعدًا بشيء أو أن يبني عليه قرارًا حاسمًا. فالأصل أن يجتهد ويحسن الظن بربه.
وفي الختام، فكل ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن حسن التدبير والسعي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا ينبغي التعلق بالتفسير تعلقًا يشغل القلب. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله ويدعوه بالتوفيق والسكينة وصلاح الحال. فإن رأى ما يسره حمد الله عليه، وإن رأى ما يزعجه استعاذ بالله ولم يلتفت إليه. والله أعلم بما يكون.
