رؤية الجلوس على الدرج في المنام مشهد مألوف في الحياة اليومية، فكثيرون يجلسون على درج البيت أو المبنى للاستراحة أو الانتظار. وفي المنام يكتسب هذا المشهد طابعًا رمزيًا، لأن الجالس على الدرج يكون في موضع انتقال بين مستويين. وقد تناول المعبرون مثل هذه الصور باجتهادات متفاوتة تبقى في دائرة الاحتمال. والرؤيا قد تكون انعكاسًا لما يشغل الرائي في يقظته، فلا يُبنى عليها قرار حاسم. وفي هذا المقال عرض هادئ لما قيل في دلالتها.
الدرج رمز للتدرج والانتقال بين المراحل، والجلوس عليه يوحي بتوقف مقصود لا بحركة. فقد يعبّر عن راحة بعد جهد، أو عن انتظار لأمر قادم، أو عن تأمل في الخطوة التالية. وقد يعبّر كذلك عن شعور بأن الرائي بين مرحلتين لم يستقر في أيٍّ منهما بعد. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالمعنى يتحدد بشعور الرائي وحاله. والرمز يبقى مفتوحًا على أكثر من قراءة.
نُسب إلى ابن سيرين في أمثال هذه الرؤى أن الجلوس يدل في الغالب على السكون والاستقرار في الحال، وأن موضع الجلوس يعين على تحديد المعنى. ونُسب إليه أن الجلوس في موضع مرتفع قد يدل على علو في الحال أو القدر، وفي موضع منخفض على تواضع أو قلة حركة. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاحتمال، وقد تختلف صيغتها من كتاب إلى آخر. فلا يتخذها الرائي قاطعة، وإنما يستأنس بها في التأمل.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدرج وسيلة يتوصل بها إلى المقصد، وأن الجلوس عليه قد يرمز إلى قعود عن السعي أو استراحة منه. وأشار بحسب ما يُروى عنه إلى أن هيئة الجالس من هدوء أو حزن أو انتظار تعين على فهم المعنى. وتختلف آراء المعبرين، فمنهم من يميل إلى معنى الراحة المحمودة، ومنهم من يميل إلى معنى التأجيل. وكلها اجتهادات لا ترقى إلى القطع.
يتغير المعنى بتغير السياق، فالجلوس المطمئن في مكان مضيء نظيف يختلف عن الجلوس الحزين في مكان مظلم. والشعور المصاحب مهم، هل كان الرائي مرتاحًا يستمتع بالهدوء أم متعبًا أم ينتظر شخصًا يتأخر. كما أن مكان الدرج مؤثر، فدرج البيت يرتبط بشؤون الأسرة، ودرج المدرسة أو العمل يرتبط بشؤونهما. ووجود آخرين يجلسون معه قد يعبّر عن رفقة وأنس، وجلوسه وحده قد يعبّر عن حاجة إلى خلوة. وتُقرأ هذه التفاصيل مجتمعة.
بالنسبة للطالب، قد يرتبط الجلوس على الدرج باستراحة بين مرحلتين دراسيتين، أو بقلق من مرحلة قادمة. وبالنسبة للموظف، قد يعبّر عن فترة انتظار لقرار أو لمشروع لم يبدأ بعد. وقد يرتبط عند من يمر بتعب طويل برغبته في أن يلتقط أنفاسه قبل إكمال الطريق. وهذه احتمالات تتوقف على حال كل رائٍ، ولا يصح تعميمها. والمنام هنا قد يكون دعوة إلى الراحة المشروعة بعد سعي طويل.
وللمرأة قد يعبّر الجلوس على الدرج عن حاجتها إلى أوقات خلوة بعيدًا عن انشغال البيت، أو عن انتظار خبر يخص أسرتها. وللمتزوج قد يشير المشهد إلى حاجته إلى هدوء قبل حوار مع أهله. أما الشاب فقد يرى فيه تأملًا في اختياراته القادمة. وكبير السن قد يعبّر المنام عنده عن استراحة بعد عمر من الجهد واستعادة لذكريات مضت. ويؤكد المعبرون أن الحال الشخصية أول مفاتيح الفهم.
ومن التفاصيل ما يتعلق بهيئة الجلوس، فالجلوس مسترخيًا يوحي بالطمأنينة، والجلوس واضعًا الرأس بين اليدين قد يوحي بالتفكير الثقيل أو الحيرة. وإذا كان الرائي ينظر إلى الأعلى فقد يعبّر ذلك عن تطلع، وإذا كان ينظر إلى الأسفل فقد يعبّر عن مراجعة. وجلوسه على درجة عالية قريبة من نهاية الدرج قد يوحي بقرب إتمام مرحلة، وعلى درجة سفلى قد يوحي ببداية. وإن قام بعد الجلوس واستأنف الحركة فقد يرمز ذلك إلى عزم بعد استراحة. وكل هذا على سبيل الاحتمال والاجتهاد.
ومن الزاوية النفسية، يمكن أن يُفهم المنام على أنه تذكير بأن الاستراحة جزء من الطريق وليست خروجًا منه. ومن المفيد أن يمنح الرائي نفسه وقتًا للهدوء والتأمل، وأن يجعل لكل يوم فسحة قصيرة بعيدة عن الانشغال، ثم يعود إلى خطته بنشاط. وفي الواقع ينبغي ألا يجلس المرء في مواضع تعيق حركة الآخرين على الدرج، وأن يراعي سلامة المكان وإضاءته. وهذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بتعب مستمر أو دوار متكرر فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا. والحلم وحده لا يصلح أساسًا لتقدير حال الجسد أو النفس.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني في فهم الرموز، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُلزم الرائي بشيء ولا تقوم مقام السعي المتزن. وحسن الظن بالله والدعاء بالخير والتوفيق والسلامة هما خير ما يلجأ إليه الرائي بعد الاستيقاظ. ويُسأل الله أن يمنح الرائي راحة القلب، وأن يهديه إلى حسن الاختيار.
