رؤية الدرج الذي يتحول إلى حديقة في المنام مشهد لطيف عجيب، فالرائي يصعد درجات منتظمة ثم تتحول إلى عشب وأشجار وممشى بين الأزهار. وقد يحدث التحول تدريجيًا وقد يحدث فجأة، وقد يبقى شيء من الدرج بين الأشجار. وقد تناول المعبرون مثل هذه الصور باجتهادات متفاوتة تبقى كلها في دائرة الاحتمال. والرؤيا رمزية، وهي أقرب إلى صورة ذهنية صنعها الخيال من انطباعات الرائي، لا كائن ولا رسالة غيبية. وهذا المقال يعرض ما قيل بهدوء ودون جزم.
الدرج رمز للتدرج وتتابع المراحل، والحديقة رمز مألوف للراحة والبهجة والعناية والنمو. فإذا تحول الأول إلى الثانية، فقد يعبّر المشهد عن انتقال من طريق منظم يتطلب جهدًا إلى فسحة هادئة، أو عن رغبة في أن يكون السعي أرحب وألطف. وقد يعبّر عن حاجة الرائي إلى الجمع بين العمل والاستمتاع، وقد يعبّر عن أمنية بأن يثمر تعبه راحة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالمعنى يتحدد بشعور الرائي. وليس لتحول الدرج هنا مدلول غيبي يُنتظر.
نُسب إلى ابن سيرين في أمثال هذه الرؤى أن الحديقة والخضرة في الرؤيا قد تدل على سعة الحال وطيب العيش بحسب ما يقترن بها من أحوال. ونُسب إليه أن حسن الحديقة ونظافتها يدلان على حسن العناية، وأن ذبولها قد يدل على حاجة إلى رعاية. وتُروى هذه الأقوال على سبيل الاحتمال، وقد تختلف صيغتها من كتاب إلى آخر. فلا يجعلها الرائي دليلًا قاطعًا، ويحسن أن يحملها على معنى نفسي عام.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدرج وسيلة يتوصل بها إلى المقصد، وأن تحولها إلى بستان قد يرمز إلى أن الوسيلة تفضي إلى موضع طيب. وأشار بحسب ما يُروى عنه إلى أن نوع الشجر وحال الأرض قد يؤثران في المعنى. وتختلف آراء المعبرين، فمنهم من يميل إلى معنى الراحة المحمودة، ومنهم من يميل إلى أن الأمر مرهون بعناية صاحبه. وكلها اجتهادات لا ترقى إلى القطع، وليس فيها ما يجعل التحول رسالة.
يتغير المعنى بتغير السياق، فالحديقة المرتبة المضيئة تختلف عن الحديقة المهملة المظلمة. والشعور المصاحب مهم، هل كان الرائي مطمئنًا مسرورًا أم متعجبًا مرتبكًا. كما أن موضع التحول مؤثر، فإن كان في البداية فقد يعبّر عن بداية سهلة، وإن كان في النهاية فقد يعبّر عن خاتمة مريحة. وحال الجو والإضاءة والروائح يضيف قرائن أخرى. وتُقرأ هذه التفاصيل مجتمعة.
بالنسبة للطالب، قد يرتبط تحول الدرج إلى حديقة بحاجته إلى فسحة بعد جهد المذاكرة، أو بأمله في أن تثمر دراسته. وبالنسبة للموظف، قد يعبّر المشهد عن رغبة في بيئة عمل ألطف أو في فترة راحة. وقد يرتبط عند من يمر بمرحلة ضغط طويلة بحاجته إلى متنفس. وهذه احتمالات تتوقف على حال كل رائٍ، ولا يصح تعميمها. والمنام هنا قد يكون صدى للتطلع إلى الراحة.
وللمرأة قد يعبّر الدرج المتحول إلى حديقة عن رغبتها في فسحة بعد انشغالها بشؤون الأسرة، أو عن عنايتها بجمال البيت. وللمتزوج قد يشير المشهد إلى أمنية بأن تثمر الجهود المشتركة سكينة. أما الشاب فقد يرى فيه أملًا في أن يثمر سعيه. وكبير السن قد يعبّر المنام عنده عن حنين إلى مكان هادئ يقضي فيه وقته. ويؤكد المعبرون أن الحال الشخصية أول مفاتيح الفهم.
ومن التفاصيل ما يتعلق بما في الحديقة، فالأزهار قد توحي بالبهجة، والأشجار المثمرة قد توحي بثمرة الجهد، والممشى قد يوحي بمسير هادئ. وإذا كان الرائي يتجول فيها مطمئنًا فقد يعبّر ذلك عن راحة، وإذا كان يعتني بها فقد يعبّر عن رعاية لأمر ينمو. وإذا وجد فيها مقعدًا يجلس عليه فقد يرمز ذلك إلى فسحة تأمل، وإذا بقيت درجات في أطرافها فقد يعبّر ذلك عن استمرار الحاجة إلى التدرج. وإن عاد المشهد درجًا فقد يعبّر عن عودة إلى الجد بعد الراحة. وكل هذا على سبيل الاحتمال والاجتهاد، وهو من صنع الخيال.
ومن الزاوية النفسية، يمكن أن يُفهم المنام على أنه دعوة إلى أن يجعل الرائي في طريقه مساحات للراحة والجمال، فالسعي المتواصل دون فسحة يرهق النفس. ومن المفيد أن يخصص وقتًا للمشي في مكان أخضر أو للجلوس الهادئ، وأن يكافئ نفسه بعد كل مرحلة، وأن يوازن بين الواجبات والاستجمام. وفي الواقع ينبغي الاعتناء بسلامة الممرات في الحدائق، فالدرجات المبللة والعشب الرطب من أسباب الانزلاق، والحذاء المناسب والانتباه نافعان. وهذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن شعر بدوار مستمر أو ضعف في التوازن فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًا. والحلم وحده لا يصلح أساسًا لتقدير حال الجسد أو النفس.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني في فهم الرموز، وليس علمًا يقينيًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تُلزم الرائي بشيء ولا تقوم مقام السعي المتزن. وحسن الظن بالله والدعاء بالخير والتوفيق والسلامة هما خير ما يلجأ إليه الرائي بعد الاستيقاظ. ويُسأل الله أن يمنح القلوب سكينة، وأن يبارك في كل جهد.
