رؤية الامتناع عن الطعام في المنام صورة قد يراها الإنسان لأسباب كثيرة، منها انشغال أو حزن أو رغبة في الضبط والتقليل أو مجرد شعور بعدم الرغبة. والرؤيا رمزية في أصلها، فلا تدل حرفيًا على امتناع حقيقي ولا على شيء يصيب الرائي في الواقع. وإن كان الرائي يفقد رغبته في الطعام فعلًا أو يقل وزنه دون سبب أو يشعر بتعب مستمر فالأولى مراجعة الطبيب، فالمنام ليس نصيحة طبية. وما يلي احتمالات رمزية عامة، لا جزم فيها ولا تخويف.
البطن في الرموز يرتبط بالرزق والمعيشة والحاجات الأساسية، والطعام فيه يرمز إلى ما يتلقاه الإنسان من رزق ونفع. والامتناع عنه قد يتجه إلى إعراض عن أمر معروض، أو إلى ضبط للنفس وتقليل من الرغبات. وقد يتجه إلى حزن أو انشغال يسد النفس عن الاستمتاع بما حولها. وقد يتجه كذلك إلى تردد في قبول عرض أو فرصة أو علاقة. ويختلف ذلك بحسب السبب الذي ظهر في المنام.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الطعام في المنام يدل على كسب ومعيشة، وأن ترك الطعام قد يشير إلى إعراض عن كسب أو رغبة أو عن أمر معروض. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتركه الإنسان من طعام في المنام يرتبط بما يزهد فيه أو لا يناسبه. وهذه الأقوال عامة، ولم يُفرد الامتناع عن الطعام بتفصيل واسع في الكتب القديمة. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، ويختلف المفسرون في تنزيلها. فتؤخذ إشارات عامة تفتح باب التأمل.
إذا كان الامتناع بإرادة الرائي وهدوئه، فقد تميل الصورة إلى ضبط النفس وقناعة وترتيب للأولويات. وإذا كان بسبب نفور أو غثيان أو حزن، فقد تعكس الصورة ثقلًا نفسيًا أو ضيقًا من موقف. وإذا كان الطعام معروضًا من شخص بعينه، فقد يتجه المعنى إلى تحفظ تجاه عرض أو علاقة أو التزام. ويؤثر المكان، فالمائدة العائلية تختلف عن الطعام في العمل أو في السفر. ويبقى شعور الرائي أهم القرائن.
إذا كانت الرائية عزباء فقد تدل الصورة على تروٍّ في قبول عرض أو قرار، أو على انشغال بأمر يأخذ من اهتمامها. وقد تعبّر عن حاجة إلى الابتعاد عن أجواء لا ترتاح إليها. أما المتزوجة فقد ترتبط الصورة بانشغالها بشؤون البيت حتى نسيت نفسها، أو بحزن عابر على أمر ما. وقد تكون انعكاسًا لفقدان شهية عارض في اليقظة. وتبقى القراءة تابعة لحالها ولما تشعر به.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تشير الصورة إلى زهد في أمر معروض عليه من عمل أو مال أو التزام، أو إلى انشغال شغله عن راحته. وقد تعبّر عن ضبط للنفس في أمر ما أو عن ضيق لا يبوح به. أما الرائية الحامل فقد تتأثر أحلامها بتغير شهيتها وغذائها في هذه المرحلة، فلا يُبنى على الحلم استنتاج. وإن كانت تعاني من قلة شهية حقيقية أو غثيان مستمر فعليها مراجعة الطبيب المختص. فالمنام لا يغني عن الرعاية الصحية.
ومن التفاصيل المفيدة: لماذا امتنع الرائي في المنام، وهل كان يتمنى الطعام أم لا، وهل كان الطعام طيبًا أم غير مرغوب، وهل أصر عليه أحد. فالامتناع مع الرغبة قد يعكس كبتًا أو تأجيلًا، والامتناع بلا رغبة قد يعكس عدم حاجة. والإصرار من الآخرين قد يعكس ضغطًا اجتماعيًا. ومن المفيد تذكر مكان الطعام وهيئة المائدة. وعند غموض المشهد يكفي المعنى العام.
من الجانب النفسي قد تكون الرؤيا صدى لفقدان شهية بسبب الهم أو الانشغال أو التعب، أو لرغبة في تنظيم الأكل والعناية بالنفس. وقد تعبّر أحيانًا عن رغبة الإنسان في الابتعاد عن شيء يضايقه دون أن يعرف كيف يقول ذلك. والتصرف العملي أن ينتظم الرائي في وجباته ونومه، وأن يتكلم مع شخص قريب عمّا يشغله. وإذا استمر ضعف الشهية في اليقظة أو صاحبه نقص وزن أو دوار فليراجع الطبيب. فالعناية بالجسد لا تقل أهمية عن العناية بالنفس.
ولا ينبغي أن يُفهم من الحلم أن الرائي سيحرم من رزق أو يصيبه ضيق، فهو لا يخبر بذلك. كما لا ينبغي أن يحمّل الرائي نفسه لومًا على قلة رغبته في الأكل أو على أي عادة غذائية، فلكل إنسان ظروفه. وإن كان الامتناع في الحلم بسبب حزن فليتذكر أن الأحزان تخف مع الوقت والكلام الطيب والعمل النافع. ومن الحسن أن يقترب من أهله وأحبابه ويشاركهم الجلوس والطعام. فالألفة تفتح الشهية وتخفف الهموم.
وفي الختام، فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس بديلًا عن رأي الطبيب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يدّعي أحد معرفة ما تدل عليه رؤيا بيقين. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالعافية والطمأنينة وانشراح الصدر. وليأخذ بالأسباب في صحته وراحته. ويُرجى أن يجعل الله كل ما يراه المؤمن في منامه خيرًا.
