الشمس من أعظم الرموز التي يراها الإنسان في منامه وأكثرها تنوعًا في الدلالة، فهي تظهر مشرقة وغاربة، دافئة وحارقة، قريبة وبعيدة، صافية ومنكسفة. وقد تناول المعبرون قديمًا وحديثًا هذا الرمز بتفصيل كبير، لأنه يتكرر في أحلام الناس على اختلاف أعمارهم وأحوالهم. وفي هذه الخلاصة الشاملة نجمع أبرز ما قيل في معاني الشمس، لتكون مرجعًا يعين الرائي على فهم رؤياه في إطارها العام. لكن قبل كل شيء، ينبغي التأكيد على أن تعبير الرؤى رمزي احتمالي، وأن هذه المعاني ليست أحكامًا قاطعة. فالحلم يُفهم بمجموعه وحال صاحبه.
أول معاني الشمس وأشهرها عند المعبرين أنها ترمز إلى السلطان والملك وصاحب الأمر الأعلى، لأنها الأعلى في السماء والأعظم أثرًا. وثانيها أنها ترمز إلى الأب في الأسرة، لما يجمع بينهما من الرعاية والدفء والقوة. وثالثها أنها ترمز إلى المكانة والشرف والشهرة، لأن نورها يبلغ كل مكان. ورابعها أنها ترمز إلى العلم والهداية، لأنها تكشف الطريق وتبدد الظلام. وخامسها أنها ترمز إلى الرزق والبركة، لأن الحياة على الأرض تقوم بضوئها. وقد ترمز أحيانًا إلى الأم أو الزوجة، وأحيانًا إلى الشدة والمشقة حين تكون حارقة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشمس الصافية المضيئة تدل على سلطان عادل أو على عز ورزق يناله الرائي، وأن الشمس المحرقة أو المنكسفة أو الغائبة قد تشير إلى هم أو شدة عابرة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن طلوع الشمس على الرائي قد يعني نيل خير من جهة ذي شأن، وأن سقوطها في حجره قد يدل على منزلة، وأن اجتماعها مع القمر قد يرمز إلى الوالدين. ويرى المفسرون المعاصرون أن كثيرًا من أحلام الشمس قد يكون من حديث النفس، يعكس مشاعر الرائي وظروفه. والخلاف بين المعبرين في التفاصيل واسع، وهو دليل على أن التعبير اجتهاد لا نص.
ويتحدد معنى الشمس في المنام بعدة عوامل؛ أولها صفاؤها، فالصافية أقرب إلى الخير من الكدرة. وثانيها حرارتها، فالدافئة المعتدلة أقرب إلى الرحمة، والحارقة أقرب إلى المشقة. وثالثها وقتها، فالشروق بداية وأمل، والظهيرة قوة أو ضغط، والغروب ختام وحصاد. ورابعها لونها، فالذهبي الصافي محمود، والأحمر القاتم أو الباهت قد يعكس اضطرابًا. وخامسها مشاعر الرائي في الحلم، وهي من أهم المفاتيح على الإطلاق.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، فقد ترتبط الشمس في منامها بأبيها ورعايته، أو بطموحها في الدراسة والعمل، أو بأمنيات تتعلق بمستقبلها. والشمس المشرقة في منامها غالبًا ما تُحمل على التفاؤل والتوفيق. وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فقد ترتبط الشمس بزوجها أو باستقرار بيتها أو بصلاح أبنائها، وإشراقها في البيت يُحمل غالبًا على البركة. وفي الحالتين، تعكس الشمس الحارقة أو الغائبة قلقًا عابرًا يحتاج إلى طمأنينة.
وبالنسبة للرجل، فقد ترتبط الشمس بعمله ومسؤولياته وعلاقته بمن هم أعلى منه، أو بدوره أبًا في بيته، أو بطموحه في المكانة والرزق. وبالنسبة للحامل، فقد يرى بعض المعبرين في الشمس المشرقة بشارة بولادة ميسرة ومولود ذي شأن، بينما تعكس الصور المقلقة غالبًا التغيرات الطبيعية في فترة الحمل. وبالنسبة للطفل، فالشمس غالبًا رمز للفرح والأمان ولا يُتكلف في تأويلها.
ومن الصور التفصيلية التي تناولها المعبرون: شروق الشمس ويرمز إلى البدايات والفرج، وغروبها ويرمز إلى ختام مرحلة، وكسوفها ويرمز إلى ضيق عابر، وطلوعها من المغرب وقد يحمل معاني التنبيه، ودخولها البيت ويرمز إلى البركة، وسقوطها ويرمز عند بعضهم إلى تغير في حال من تمثله. والطيران نحوها يرمز إلى الطموح، والاحتماء منها يرمز إلى الحذر، وانعكاسها على الماء يرمز إلى الصفاء. وكل صورة من هذه تُقرأ في سياقها الخاص.
ومن الناحية النفسية، فإن الشمس رمز عالمي للحياة والطاقة والوعي، ولذلك تظهر في الأحلام تعبيرًا عن حالة الإنسان الداخلية. فمن كان متفائلًا رآها مشرقة، ومن كان مرهقًا رآها حارقة، ومن كان حزينًا رآها غائبة أو باهتة. وفهم هذا البعد يجعل الحلم مرآة للنفس أكثر منه نبوءة بالمستقبل. وهذا لا ينفي أن بعض الرؤى قد تكون صادقة، لكنه يدعو إلى التوازن في التعامل معها.
ومن الجانب العملي، فإن خير ما يفعله من رأى الشمس في منامه أن يتأمل ما يشغل قلبه، وأن يجعل من الحلم دافعًا إلى الخير: برًا بوالديه، أو سعيًا في رزقه، أو طلبًا للعلم، أو عناية بأسرته، أو رفقًا بنفسه. ومن آداب الرؤى أن يحمد الله على ما يسره منها ويحدث بها من يحب، وأن يستعيذ بالله مما يكره ولا يحدث به أحدًا. ولا يجوز أن تكون الرؤيا سببًا في ظلم أحد أو سوء ظن به.
وفي الختام، يبقى تعبير الرؤى كله اجتهادًا بشريًا ظنيًا يصيب ويخطئ، ولا يصح أبدًا أن يُتخذ أساسًا لقرارات حقيقية في الحياة أو المال أو الزواج أو العلاقات. فاستقبل رؤاك بحسن الظن بالله، واحمده على نعمه الظاهرة والباطنة، واستعن به في كل أمرك. واعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأن الشمس التي تراها في منامك ويقظتك آية من آياته، تجري بأمره وتشرق بإذنه. فاجعل قلبك متعلقًا بخالق الشمس لا بالشمس، وثق أن ما قدره لك خير.
