يرى بعض الناس في منامهم الشمس تسطع بقوة على أرض مبتلة أو موحلة فتجففها، أو على أرض كانت خضراء فتتحول إلى أرض جافة متشققة. وهذان المشهدان يبدوان متشابهين في الظاهر، لكنهما يحملان دلالتين مختلفتين في عالم التعبير، ولذلك يحتاج الرائي إلى التمييز بينهما. وهذه الرؤيا تثير تساؤلات كثيرة، خاصة لدى من يشعرون بضغوط في حياتهم أو بتغيرات في ظروفهم. ومن المهم التأكيد بداية على أن تفسير الأحلام علم رمزي اجتهادي، لا يُفهم فيه المشهد على ظاهره، وأن كل ما يُقال فيه احتمال لا يقين.
والشمس في الرؤى رمز متعدد الدلالات، فهي عند المعبرين تشير إلى الملك وصاحب السلطان، وإلى الأب وكبير الأسرة، وإلى العز والشهرة والهداية والعلم، وإلى الدفء والرزق والبركة. لكنها إذا اشتدت حرارتها وأحرقت أو جففت ما ينفع، فقد تُحمل على الشدة والضيق، أو على سلطان قاسٍ، أو على مشقة في المعيشة. أما الأرض في المنام فكثيرًا ما تُربط بالدنيا والمعاش، وأحيانًا بالمرأة أو بالأم أو بمصدر الرزق. ومن هنا تتشكل دلالة الرؤيا من العلاقة بين الشمس والأرض.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الشمس الصافية تدل على عز وسلطان عادل، وأن حرها الشديد قد يدل على هم أو شدة تأتي من جهة ذي سلطان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأرض المجدبة في المنام قد تُحمل على ضيق في الرزق أو قلة في الخير، وأن جفاف الوحل والطين قد يدل على زوال الهم والكدر. وذهب بعض المفسرين إلى أن تجفيف الشمس لأرض موحلة يُستأنس به في معنى الخروج من ورطة أو زوال أثر محنة. وهذه الأقوال اجتهادية، وقد اختلف المعبرون في ترجيحها وتفصيلها.
ويتوقف المعنى إلى حد بعيد على حال الأرض قبل الشمس وبعدها؛ فإن كانت الأرض موحلة يصعب المشي فيها ثم جففتها الشمس فصارت صالحة للسير، كان ذلك أقرب إلى معنى التيسير وزوال العوائق. وإن كانت الأرض خضراء نضرة ثم جففتها الشمس حتى تشققت، فقد يُحمل ذلك على تحذير من ضيق أو تقصير في رعاية ما ينفع. وشدة الحرارة ولون الشمس ووقت النهار كلها عوامل مؤثرة. وشعور الرائي بالارتياح أو بالقلق هو المرجح الأهم بين الاحتمالات.
فإن كانت الرائية فتاة غير متزوجة ورأت الشمس تجفف أرضًا موحلة، فقد يُحمل ذلك على زوال مشكلة كانت تعيقها، واتضاح طريقها في الدراسة أو العمل. وإن رأت أرضًا خضراء تجف، فقد تكون الرؤيا دعوة إلى الاهتمام بما تملك من فرص وعلاقات قبل أن تفوت. وإن كانت امرأة متزوجة فقد يشير المشهد الأول إلى انفراج في أمور بيتها، والثاني إلى ضرورة الاعتناء بالمودة الزوجية وعدم إهمالها. وإن كانت حاملًا فقد يكون الشعور بالحرارة انعكاسًا لتعب جسدي طبيعي يزول بإذن الله.
أما الرجل الذي يرى الشمس تجفف الأرض، فقد تُحمل رؤياه في الوجه الإيجابي على تجاوز أزمة مالية أو مهنية والوقوف على أرض صلبة من جديد. وفي الوجه الآخر، قد تكون تنبيهًا إلى ضغوط في العمل أو في المعيشة تحتاج إلى تدبير وحكمة، أو إلى صاحب سلطة يشتد في معاملته. وفي هذه الحالة يحسن به أن يتعامل بالصبر واللين، وأن يبحث عن مصادر بديلة للرزق، وأن يستعين بالله في كل أمره.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان في الأرض ماء أو بئر بقي رغم الحرارة؟ وهل كان الرائي يسقي الأرض أو يحاول حمايتها؟ وهل ظهرت بعد الجفاف علامات حياة جديدة؟ فبقاء الماء رغم الحرارة قد يُحمل على بركة باقية في وقت الشدة، ومحاولة الرائي السقي قد تشير إلى سعيه في الإصلاح، وظهور نبات جديد بعد الجفاف قد يكون علامة على أن الشدة لا تدوم. وكل هذه المعاني يُستأنس بها ولا يُجزم بها.
ومن الناحية النفسية، قد تعكس هذه الرؤيا شعور الرائي بالاستنزاف أو بالإرهاق من ضغوط متتالية، أو على العكس شعوره بالتخلص من حالة فوضى وارتباك. ومن الحكمة أن يتأمل الرائي حاله: هل يحتاج إلى راحة وتجديد لطاقته، أم أنه خرج لتوه من مرحلة صعبة ويحتاج إلى البناء من جديد؟ وفي الحالتين فإن الاعتدال في العمل، والاهتمام بالنفس، والقرب من الله، كلها أسباب تعين على التوازن.
ولا ينبغي أن يتشاءم الرائي إن رأى الأرض تجف، فالأرض في الواقع تجف ثم يأتيها المطر فتحيا، وكذلك الأحوال تتقلب. والمؤمن يعلم أن بعد العسر يسرًا، وأن الشدة لا تدوم.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرارات حقيقية. فقابل ما رأيت بالدعاء وحسن الظن بالله، وخذ بالأسباب، واعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه.
