يرى كثير من الناس في ليالي رمضان وأيامه أحلامًا تحمل طابعًا روحانيًا خاصًا، ومن أبرزها رؤية الشمس ساطعة في نهار الصيام أو عند لحظة الغروب التي ينتظرها الصائمون للإفطار. وهذه الرؤية شائعة نسبيًا، لأن الشهر الكريم يجعل الإنسان أكثر انتباهًا لحركة الشمس بين الإمساك والإفطار. ويحسن بالرائي أن يتذكر منذ البداية أن تفسير الأحلام قائم على الرمز والإشارة لا على المعنى الحرفي، فليست كل شمس في المنام شمسًا في الواقع. وإنما يحاول المفسرون استخلاص دلالات محتملة من الصورة وسياقها وحال صاحبها. ولذلك نعرض هنا ما ذكره أهل التعبير من معانٍ مع التنبيه الدائم إلى أنها احتمالات لا يقين فيها.
الشمس في عالم الرؤى من أعظم الرموز وأوسعها دلالة، فهي عند كثير من المعبرين تشير إلى الملك أو الحاكم أو صاحب السلطان الكبير، وقد تدل على الأب في البيت لأنه مصدر الرعاية والدفء. كما ترتبط الشمس بالمكانة والشرف والظهور بين الناس، لأنها أوضح ما في السماء وأبعده أثرًا. ويربطها بعضهم بالعلم والهداية، فالنور الذي يكشف الطريق في النهار يشبه المعرفة التي تكشف حقائق الأمور. وإذا اجتمع هذا الرمز مع أجواء رمضان، اتجهت المعاني غالبًا نحو البركة والطاعة وصفاء القلب.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الشمس الصافية المضيئة تدل على سلطان عادل أو على عز ورزق يناله الرائي، وأن الشمس المحرقة أو المنكسفة قد تشير إلى شدة أو هم عابر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن طلوع الشمس على الرائي قد يعني نيل خير من جهة ذي شأن، أو ظهور أمر كان خفيًا. غير أن هذه الأقوال ليست نصوصًا قاطعة، بل هي اجتهادات تختلف من معبر إلى آخر، وقد تتباين في الرؤيا الواحدة. وبعض المفسرين المعاصرين يرون أن رؤية الشمس في رمضان بالذات تحمل إشارة إلى رجاء قبول العمل وسعة الرحمة، وهو رأي حسن لكنه ليس قطعيًا.
ويتغير المعنى كثيرًا بحسب تفاصيل المشهد؛ فالشمس الهادئة المشرقة وقت الضحى تختلف عن شمس الظهيرة الحارقة التي يشعر الصائم معها بالتعب والعطش. فإن رأى الرائي الشمس تغرب وهو ينتظر الأذان بفرح، فقد يُفهم ذلك على أنه قرب فرج وانقضاء مشقة، كما ينقضي يوم الصيام بفرحة الإفطار. أما إن رأى الشمس لا تغيب وطال عليه النهار، فقد يعبر ذلك عن شعور بالضغط أو استعجال لأمر ما. ولون الشمس أيضًا له اعتبار، فالذهبي الصافي أقرب إلى الخير من الأحمر القاتم أو الباهت. ومشاعر الرائي في الحلم من طمأنينة أو قلق تبقى من أهم المفاتيح.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة الشمس مشرقة في نهار رمضان، فقد يرى بعض المعبرين في ذلك إشارة إلى صلاح حالها وقوة صلتها بربها، أو إلى خبر طيب يتعلق بمستقبلها. وإن رأت نفسها تفطر عند غروب الشمس مع أهلها في جو من المحبة، فقد يدل ذلك على استقرار أسري وطمأنينة. أما المرأة المتزوجة فقد تُفهم رؤيتها للشمس في رمضان على أنها بركة في بيتها ورزق لأسرتها، وربما صلاح في علاقتها بزوجها. وإن رأت الشمس تدخل بيتها بنور هادئ، فقد يشير ذلك إلى خير يعم أهل الدار.
وأما الرجل فرؤيته للشمس في رمضان قد تعبر عن توفيق في عمله أو رضا من رؤسائه، أو عن عزمه على إصلاح نفسه والتقرب إلى الله. وإن كان صاحب مسؤولية فقد تشير الرؤيا إلى عدل في تدبيره ورعاية لمن تحت يده. وبالنسبة للحامل فقد يرى بعض المعبرين أن الشمس المشرقة في نهار رمضان تبشر بولادة ميسرة ومولود يكون له شأن طيب. ومع ذلك تبقى هذه المعاني آمالًا طيبة لا وعودًا مؤكدة، ولا ينبغي أن يُبنى عليها توقع جازم.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المفسرون موضع الشمس في السماء، فشمس الشروق ترتبط بالبدايات الجديدة، وشمس الغروب ترتبط بختام مرحلة وحصاد ثمرتها. ويهتم بعضهم بما كان الرائي يفعله تحت الشمس، فإن كان يقرأ القرآن أو يتصدق أو يصلي، قوي جانب البشارة في الرؤيا. وإن كانت الشمس محجوبة بغيوم خفيفة ثم انكشفت، فقد يدل ذلك على زوال عائق بسيط. وتكرار الرؤيا في ليالٍ متتالية من الشهر قد يعكس انشغال القلب بأمر يرجو صاحبه تحققه.
ومن الناحية النفسية، فإن رمضان يغير إيقاع اليوم كله، فيصبح الإنسان مرتبطًا بالشمس ارتباطًا مباشرًا عبر مواعيد السحور والإفطار، ولذلك يكثر حضورها في أحلامه. والجوع والعطش والتعب قد تنعكس على صورة الشمس في المنام فتبدو أشد حرارة أو أطول بقاء. كما أن الأجواء الإيمانية تمنح الأحلام صبغة من السكينة، فتظهر الشمس رمزًا للنور الداخلي الذي يشعر به الصائم. وفهم هذا البعد يساعد الرائي على ألا يحمّل الحلم أكثر مما يحتمل.
وفي الختام، يبقى تفسير الأحلام اجتهادًا بشريًا ظنيًا يصيب ويخطئ، ولا يصح أن يُتخذ أساسًا لقرارات حقيقية في الحياة أو المال أو العلاقات. والأولى بالمسلم إذا رأى ما يسره أن يحمد الله ويحسن الظن به، وإذا رأى ما يقلقه أن يستعيذ بالله ويكثر من الدعاء ولا يحدث به. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تصدق وقد لا تصدق. فليجعل الرائي من هذه الرؤيا دافعًا لمزيد من الطاعة في الشهر الكريم، وليطمئن قلبه بذكر الله.
