من الرؤى ذات الدلالة الرمزية الواضحة أن يرى الإنسان في منامه الشمس تشرق على ثلوج متراكمة فتذيبها شيئًا فشيئًا، فتتحول إلى ماء جارٍ وتظهر الأرض من تحتها. وهذا المشهد يحمل في طياته معنى التحول والتغيير والانتقال من حال إلى حال، ولذلك يثير في نفس الرائي فضولًا لمعرفة مدلوله. وهو من الرؤى التي تأتي كثيرًا لمن يمرون بمراحل جمود أو ركود في حياتهم ويتطلعون إلى التغيير. ولا بد من التأكيد على أن تفسير الأحلام علم رمزي اجتهادي، لا تُؤخذ فيه الصور على ظاهرها، وأن ما يُذكر فيه احتمالات قابلة للصواب والخطأ.
والشمس في الرؤى ترمز عند المعبرين إلى صاحب السلطان والمكانة، وإلى الأب ورب الأسرة، وإلى العز والشرف والشهرة، وإلى الهداية والعلم الذي يبدد الجهل، وإلى الدفء والرزق والبركة. أما الثلج فقد اختلف المعبرون في دلالته، فبعضهم ربطه بالهم والبرد والجمود والعوائق، وبعضهم ربطه بالخير إذا جاء في وقته ولم يضر. ومشهد الشمس وهي تذيب الثلج يميل المعبرون إلى قراءته على معنى زوال الهموم وانفراج الشدة وعودة الحياة إلى مجراها. فالدفء يغلب البرد، والنور يكشف ما كان مستورًا.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الثلج قد يدل على الهم أو العذاب أو المرض إذا جاء في غير وقته، وأن الشمس الصافية تدل على عز ورزق وسلطان عادل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ذوبان الثلج قد يُحمل على زوال الهم وذهاب الشدة، وأن ظهور الشمس بعد البرد قد يشير إلى فرج يأتي من جهة صاحب سلطان أو رجل ذي شأن. وذهب بعض المفسرين إلى أن الماء الناتج عن الذوبان إذا كان صافيًا دل على خير يتدفق بعد انقطاع. وتبقى هذه الأقوال اجتهادات يُستأنس بها، ولكل معبر ترجيحه الخاص.
ويتأثر معنى الرؤيا بالسياق تأثرًا كبيرًا؛ فإن كان الذوبان هادئًا تدريجيًا والماء يجري صافيًا، كان ذلك أقرب إلى معاني الانفراج السلس والتحول المبارك. وإن كان الذوبان سريعًا يسبب فيضانًا أو سيولًا، فقد تُحمل الرؤيا على تغيير مفاجئ يحتاج إلى حكمة في التعامل معه. ووقت الرؤيا في الحلم، كشمس الربيع أو شمس الصباح، يضيف معنى البدايات الجديدة. وشعور الرائي بالارتياح لرؤية الأرض تظهر من تحت الثلج علامة على قبول التغيير والاستعداد له.
فإن كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد تُحمل الرؤيا على انتهاء فترة من التردد أو الجمود العاطفي أو الدراسي، وبداية مرحلة أكثر دفئًا ووضوحًا. وإن كانت امرأة متزوجة فقد يشير ذلك إلى ذوبان خلافات قديمة مع زوجها أو أهلها، وعودة المودة والتفاهم إلى بيتها. وإن كانت حاملًا فقد يُفهم على أنه زوال لمخاوف كانت تشغلها، وتيسير لما تمر به من تعب بإذن الله. وإن كانت مطلقة فقد يحمل معنى طي صفحة مؤلمة والانفتاح على حياة جديدة.
أما الرجل الذي يرى الشمس تذيب الثلج، فقد تُحمل رؤياه على انفراج في عمله بعد ركود، أو على زوال عائق كان يعطل مشروعه، أو على تحسن علاقته بشخص كان بينهما جفاء. وإن رأى أنه يمشي على الأرض بعد ذوبان الثلج فيجد طريقه واضحًا، فقد يكون ذلك إشارة إلى اتضاح أمر كان غامضًا. وإن رأى زرعًا ينبت من تحت الثلج الذائب، فقد يُحمل ذلك على خير مدفون يظهر بعد صبر.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تستحق التأمل: هل كان الثلج على بيت الرائي أم على أرض بعيدة؟ وهل شعر بالبرد قبل ظهور الشمس؟ وهل كان أحد معه يشاهد المشهد؟ فالثلج على البيت قد يُحمل على هموم أسرية تزول، والثلج على أرض بعيدة قد يشير إلى أمور عامة أو بعيدة عن الرائي. والشعور بالبرد ثم الدفء يعزز معنى الانتقال من الضيق إلى السعة. ووجود من يحب معه قد يدل على مشاركة الفرج.
ومن الناحية النفسية، فإن هذه الرؤيا تعكس في الغالب رغبة داخلية في التحرر من حالة الجمود أو الكبت أو الحزن المتراكم. والشمس هنا تمثل الطاقة الإيجابية والأمل الذي يذيب ما تراكم في النفس من برود. ومن الحكمة أن يستثمر الرائي هذا الشعور في اتخاذ خطوات صغيرة نحو التغيير، كإصلاح علاقة، أو استئناف عمل متوقف، أو العودة إلى عادة نافعة. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل.
وإن كانت الرؤيا قد صاحبها قلق من الفيضان أو الماء المتدفق، فلا ينبغي أن يتحول ذلك إلى تشاؤم، بل يكفي أن يتعامل الرائي مع التغييرات في حياته بتؤدة وحكمة، وأن يستعين بالله في كل خطوة.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يصيب ويخطئ، ولا يصلح أساسًا لقرارات حقيقية. فقابل ما رأيت بالدعاء وحسن الظن بالله، واعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه سبحانه يبدل العسر يسرًا متى شاء.
