من الرؤى المؤثرة التي تحمل في طياتها مشاعر الحنين والسكينة أن يرى الإنسان في منامه الشمس تسطع على قبر، قد يكون قبر أحد أحبابه المتوفين، وقد يكون قبرًا لا يعرف صاحبه. ويغمر ضوء الشمس القبر بدفء ونور، فيبدو المكان هادئًا مطمئنًا لا وحشة فيه. ويستيقظ الرائي غالبًا وفي قلبه مزيج من الحزن والطمأنينة، ويتساءل عن معنى هذه الرؤيا. ومن المهم التأكيد بداية على أن تفسير الأحلام علم رمزي اجتهادي، لا يُفهم فيه المشهد على ظاهره، وأن أحوال الموتى من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
والشمس في عالم الرؤى رمز للملك والسلطان وصاحب المكانة، وللأب والسند، وللعز والشرف، وللهداية والعلم، وللدفء والرزق والبركة. والنور بوجه عام في المنام يرتبط عند المعبرين بالخير والرحمة والطمأنينة. ولذلك فإن سطوع الشمس على قبر يميل المعبرون إلى قراءته على معاني الطمأنينة والسكينة، ويستأنس بعضهم به في معنى حسن الحال، مع التأكيد على أن ذلك ظن لا يقين. وقد يُحمل كذلك على تذكير للرائي بالدعاء للمتوفى والصدقة عنه، وعلى أن الحياة تستمر بنورها رغم الفقد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية النور على الميت أو في موضعه قد يُستأنس بها في معنى حسن الحال، مع التنبيه إلى أن أحوال الموتى غيب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القبر في المنام قد يرمز إلى البيت أو إلى الحبس أو إلى الآخرة بحسب السياق، وأن ما يقع عليه من نور يُحمل على الخير. وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الرؤيا قد تكون انعكاسًا لحب الرائي للمتوفى وشوقه إليه، ورغبته في الاطمئنان عليه. وهذه أقوال اجتهادية لا يُقطع بها، والمعبرون مختلفون في تفاصيلها.
ويتأثر المعنى بالسياق؛ فإن كانت الشمس دافئة هادئة والقبر نظيفًا مزهرًا، والرائي يشعر بالسكينة، فهو أقرب إلى معنى الطمأنينة والرحمة. وإن كان الرائي يزور القبر ويدعو والشمس تشرق عليه، فقد يُحمل ذلك على قبول دعائه وبره بالمتوفى بإذن الله. وإن كان القبر لشخص لا يعرفه، فقد تكون الرؤيا تذكيرًا عامًا بالآخرة وبقيمة العمل الصالح. ووقت الشروق قد يوحي بالأمل، ووقت الغروب بالسكينة. وشعور الرائي هو المؤشر الأهم.
فإن كانت الرائية فتاة غير متزوجة ورأت الشمس تسطع على قبر أحد والديها، فقد يُحمل ذلك على رضاه عنها وبركة دعائها له، والعلم عند الله. وإن كانت امرأة متزوجة فقد تكون الرؤيا دعوة إلى الاستمرار في الدعاء والصدقة عن المتوفى، وإلى تعليم أبنائها البر بالراحلين. وإن كانت حاملًا فلا داعي للقلق من رؤية القبر، فقد يُستأنس بالنور في معنى الطمأنينة، وقد تكون الرؤيا مجرد حنين إلى عزيز فقدته.
أما الرجل الذي يرى الشمس على قبر أبيه أو أمه، فقد تُحمل رؤياه على بره بهما وقبول دعائه لهما، وعلى أن نور الخير الذي غرساه فيه لا يزال يضيء حياته. وقد تكون كذلك تذكيرًا بأن يحمل رسالتهما، ويصل من كانا يصلانه، ويتصدق عنهما. فإن من أعظم البر بالوالدين بعد موتهما الدعاء لهما والاستغفار لهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان على القبر زهور أو خضرة؟ وهل رأى الرائي المتوفى نفسه مبتسمًا؟ وهل كان معه أحد من الأهل؟ فالزهور والخضرة قد يُستأنس بها في معنى الرحمة والراحة، ورؤية المتوفى مبتسمًا قد تبعث الطمأنينة في قلب الرائي، ووجود الأهل قد يشير إلى اجتماعهم على الدعاء والبر. وكل ذلك يُقرأ بلطف وتواضع، مع اليقين بأن الحكم لله وحده.
ومن الناحية النفسية، فإن رؤية قبر عزيز في المنام كثيرًا ما تكون جزءًا من رحلة الحزن الطبيعية، وتعبيرًا عن الشوق والرغبة في الاطمئنان. ورؤية النور على القبر قد تمثل تصالح الرائي مع الفقد، وبداية قبوله لقضاء الله. ومن الحكمة أن يسمح الرائي لنفسه بالحزن بقدر معتدل، وأن يحوله إلى عمل نافع كالدعاء والصدقة الجارية، وأن يتذكر أن اللقاء بإذن الله في دار لا فراق فيها.
ومن المعاني الجميلة أن الشمس التي تشرق على القبور هي ذاتها التي تشرق على الأحياء، وكأنها تذكير بأن الحياة والموت كلاهما بيد الله، وأن الرحمة تشمل الجميع. فليجعل الرائي من رؤياه دافعًا إلى الاستعداد للآخرة بالعمل الصالح.
ولا ينبغي للرائي أن يجزم بحال المتوفى بناءً على الرؤيا، فذلك من الغيب، بل يدعو له ويحسن الظن بالله.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ والصواب، ولا يصح أن تُبنى عليه أحكام أو قرارات. فقابل ما رأيت بالدعاء للمتوفى وحسن الظن بالله، واعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه أرحم بعباده من كل رحيم.
