قد يستغرب بعض الناس حين يقرأ أن الشمس في المنام قد ترمز إلى الأم أو الزوجة، لأن المشهور أنها رمز للملك أو الأب. غير أن كتب التعبير وما تناقله المفسرون يذكرون هذا الوجه أيضًا، خاصة إذا اقترنت الشمس بمعاني الدفء والحنان والرعاية اليومية. وهذا الحلم شائع لدى من يشتاق إلى أمه أو يفكر في شريكة حياته أو يعيش مرحلة يحتاج فيها إلى عطف واحتواء. ومع ذلك يجب أن نتذكر أن الرموز في الأحلام مرنة، وأن ما نذكره هنا احتمالات لا تُفرض على كل رؤيا. فالحلم يُفهم بمجموعه، لا برمز واحد مقتطع من سياقه.
والشمس رمز واسع في عالم الرؤى؛ فهي قد تعني السلطان وصاحب الأمر، وقد تعني الأب، وقد تعني الجاه والشهرة والمكانة. لكنها كذلك مصدر الدفء الذي ينبت الزرع ويحيي الأرض، وهذا المعنى يقربها من صورة الأم التي تحتضن وتربي وترعى. وبعض المعبرين ذهبوا إلى أن الشمس قد تكون للمرأة زوجها، وللرجل زوجته أو أمه، بحسب ما يدل عليه سياق الحلم. كما يربطها بعضهم بالرزق والبركة، وهو معنى يتقاطع مع دور الأم والزوجة في تدبير البيت وحفظ نعمته.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض الروايات أن الشمس قد تُعبَّر بالأم أو بالزوجة إذا رآها الرجل في بيته أو في حجره، وأن القمر في المقابل قد يُعبَّر بالأب أو غيره في بعض الأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشمس والقمر إذا اجتمعا في الرؤيا قد يدلان على الوالدين، كما يُستأنس في ذلك بما ورد في قصة يوسف عليه السلام من رؤيا الشمس والقمر. ويرى بعض المفسرين أن صفاء الشمس يدل على صلاح حال الأم أو الزوجة، وأن كدرتها قد تشير إلى تعب أو هم يعتريها. وهي أقوال متعددة، والخلاف فيها قائم، فلا يُجزم بواحد منها.
ويتأثر المعنى بتفاصيل المشهد كثيرًا؛ فإن دخلت الشمس البيت وأضاءت أركانه بلطف، فقد يُفهم ذلك على أنه بركة من جهة امرأة صالحة في الأسرة. وإن كانت الشمس دافئة لا محرقة، كان ذلك أقرب إلى الحنان والسكينة. أما إن احتجبت الشمس عن البيت، فقد يعبر ذلك عن شوق إلى الأم إن كانت بعيدة، أو عن فتور عابر في العلاقة الزوجية. ولون الشمس وصفاؤها وشعور الرائي تجاهها من فرح أو حزن كلها مفاتيح تعين على الاقتراب من المعنى.
فإن رأت الفتاة غير المتزوجة الشمس تضيء حضن أمها أو تشرق من جهتها، فقد يرى بعض المعبرين في ذلك إشارة إلى بر الفتاة بأمها وما تجده منها من دعم وحب. وإن كانت الأم متوفاة، فقد تكون الشمس تعبيرًا عن ذكراها الطيبة ودعائها الذي لا ينقطع أثره. وأما المرأة المتزوجة فقد تمثل الشمس في منامها دورها هي في بيتها، فإشراقها قد يعكس رضاها وقدرتها على العطاء. وإن رأت الشمس تجمع أبناءها في ضوئها، فقد يُفهم ذلك على أنه رجاء في ألفة الأسرة وتماسكها.
وإذا رأى الرجل الشمس تشرق في بيته وتملؤه نورًا، فقد يرى بعض المعبرين أن ذلك يشير إلى زوجة صالحة تعمر بيته بالمودة، أو إلى أم يستمد منها الدعاء والبركة. وإن رأى الشمس تقترب منه بهدوء، فقد يدل ذلك عند بعضهم على زواج مبارك لمن لم يتزوج. وبالنسبة للحامل فقد تكون الشمس في منامها رمزًا لأمومتها القادمة ولدفء الحب الذي تستعد لمنحه. وهذه كلها معانٍ تُذكر على سبيل الرجاء الطيب لا الوعد المؤكد.
ومن التفاصيل التي تدقق المعنى: هل كانت الشمس قريبة أم بعيدة؟ فالقرب قد يعني الألفة، والبعد قد يعني الشوق أو المسافة. وهل كانت الشمس تبتسم أو تبدو هادئة؟ فذلك قد يعكس رضا. وإن رأى الرائي نفسه يحتمي بالشمس من برد شديد، فقد يُفهم ذلك على أنه لجوء إلى حضن الأم أو سكن الزوجة في وقت الشدة. وإن رأى الشمس تغيب ببطء وهو يودعها، فقد يعكس ذلك قلقه على صحة أحد والديه، وهو قلق ينبغي أن يُترجم إلى برّ ودعاء.
ومن الناحية النفسية، فإن الإنسان يرى في أحلامه ما يشغل قلبه، والأم والزوجة من أعمق الروابط العاطفية في حياته. والشمس بدفئها اليومي وحضورها الثابت تصلح رمزًا لهذا الحب الذي لا يُلاحظ دائمًا لكنه يملأ الحياة. وحين يمر الإنسان بفترة من الوحدة أو التعب، قد يستدعي عقله الباطن صورة الشمس الدافئة تعبيرًا عن حاجته إلى الاحتواء. وهذا الفهم يعين على التعامل مع الحلم بهدوء ورحمة بالنفس.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام يبقى اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الزواج أو الطلاق أو العلاقات الأسرية. والأولى أن يستقبل المسلم رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو لأمه وزوجته وأهله بالخير والعافية. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما نراه في المنام لا يغير ما قدّره سبحانه. ولعل أجمل ما تحمله هذه الرؤيا تذكير لطيف بقيمة من يمنحوننا الدفء في حياتنا، فنبرهم ونحسن إليهم.
