حين يرى النائم نفسه يعدّ الثواني بين ومضة البرق وصوت الرعد، فإن الحلم يجمع بين الترقب والحساب والانتباه. وهو مشهد مألوف في اليقظة أيضًا، إذ يحاول كثيرون تقدير بعد العاصفة بهذه الطريقة البسيطة. وفي المنام يأخذ هذا الفعل دلالة رمزية، فهو يعبر عن رغبة الرائي في أن يعرف متى يصل الأمر وما حجمه. وينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، وأنها لا تخبر بموعد حدث حقيقي. وهي أقرب إلى مرآة لحال الرائي منها إلى إخبار عن الغيب.
يرمز البرق إلى الوضوح السريع والإنارة المؤقتة، ويرمز الرعد إلى الخبر القوي أو الانتباه المفاجئ. وأما عدّ الثواني بينهما فيرمز إلى الفاصل الزمني بين ظهور الفكرة ووصول نتيجتها. فقد يدل على فترة انتظار يحاول الرائي فيها أن يقدّر متى يأتيه خبر أو جواب أو نتيجة. كما يرمز إلى الحرص والتدقيق ومحاولة تنظيم الأمور بدل تركها للمفاجأة. ويتضح من ذلك أن الحلم يتصل بالصبر وإدارة الوقت أكثر من اتصاله بحدث بعينه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأمر الذي يظهر سريعًا ثم يتبعه صوت قد يدل على خبر يسبقه ظهور علاماته، وأن الرعد يتصل بما يُسمع بين الناس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الفاصل بين الأمرين قد يشير إلى مهلة بين ظهور الأمر وبلوغ أثره. ولم يرد في الكتب القديمة تفصيل لعد الثواني تحديدًا، لأن هذا التفصيل أقل شيوعًا في كلام المتقدمين. وتختلف آراء المعبرين فيما يخص الرموز الجانبية مثل الأعداد والحساب، ولذلك يبقى القياس عليها اجتهادًا. والأفضل أن يكتفي الرائي بالمعنى العام من غير تكلف.
يظهر أثر السياق في عدد الثواني وفي حال الرائي أثناء العدّ. فإذا كان العدد قصيرًا والصوت قريبًا فقد يدل على أمر قريب الأثر سريع الوصول. وإذا كان العدد طويلًا فقد يدل على خبر يتأخر أو أمر يحتاج إلى مهلة أطول. وإذا كان الرائي هادئًا أثناء العد فقد يعبر ذلك عن ثقة وصبر. وإذا كان متوترًا فقد يعكس ذلك قلقًا من انتظار نتيجة ما.
وللمرأة العزباء قد يشير الحلم إلى انتظار جواب يخص دراسة أو عملًا أو علاقة أو قرارًا مؤجلًا. فالعدّ هنا يمثل محاولة تقدير الزمن المتبقي قبل أن تتضح الأمور. وقد يرمز إلى حاجة إلى التحلي بالصبر وعدم الاستعجال في طلب النتيجة. وإذا كانت تعدّ بثقة فقد يوحي ذلك بأنها تستعد جيدًا لما يأتي. وهذا كله تأمل عام لا يُبنى عليه جزم.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الحلم بانتظار أمر يخص الأسرة، كخبر من الأهل أو نتيجة تخص الأبناء أو قرار منزلي. وقد يدل على رغبتها في تنظيم الوقت والاستعداد لما يطرأ. وللحامل قد يكون المشهد انعكاسًا لترقب طبيعي للأيام المقبلة وللمواعيد المنتظرة، وهو ليس إشارة طبية ولا يغني عن استشارة الطبيب. وكذلك المريض لا يبني على الحلم قرارًا علاجيًا. ويبقى المعنى رمزًا عامًا للانتظار.
وللرجل قد يدل الحلم على انتظار نتيجة في العمل أو التجارة أو إجراء رسمي أو صفقة. فهو يحسب الوقت ويقدّر المسافة بين الإشارة والنتيجة، وهي عادة الحذر والتخطيط. وقد يعبر أيضًا عن رغبة في السيطرة على أمر لا يملك فيه إلا الانتظار. وإذا كان الرائي طالبًا فقد يرتبط بترقب نتائج امتحان. والأنسب في كل ذلك أن يُحسن الاستعداد ثم يترك لما يأتي وقته.
تتغير التفاصيل الدقيقة معنى الحلم. فإذا اختلط العدّ أو نُسي فقد يشير إلى صعوبة في تقدير وقت الأمر أو إلى كثرة الأفكار. وإذا جاء الرعد قبل أن ينتهي العدّ فقد يدل على أن الخبر أقرب مما توقع الرائي. وإذا لم يأتِ الرعد أصلًا فقد يدل على أمر يظهر دون أن يتبعه ضجيج أو أثر كبير. وإذا عدّ معه آخرون فقد يعبر ذلك عن انتظار مشترك بين أهله أو زملائه.
من الناحية النفسية، يعكس هذا الحلم غالبًا ميلًا إلى الحساب والتخطيط أو قلقًا من الأمور المعلقة. فالعقل يحوّل الانتظار إلى مشهد ملموس يمكن قياسه بالثواني. ويمكن للرائي أن يتأمل ما الأمر الذي ينتظره ولماذا يشغله بهذا القدر. وقد يفيده أن يحدد ما هو بيده وما ليس بيده، وأن يعمل بما يستطيع. وليس الغرض من الحلم أن يتنبأ بوقت بعينه.
وفي الختام، كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. ويحسن بالرائي أن يستقبل رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو بالتيسير وراحة البال وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يمكن لحساب في المنام أن يحدد ما سيكون. ويستحسن أن يمضي الإنسان في يومه بعمل جاد وصبر جميل. وفقه الله لكل خير وجعل انتظاره خيرًا.
