رؤية البرق في الليل في المنام صورة بالغة الوضوح، فالظلام هو الخلفية والضوء يشق السماء فجأة فيكشف ما حوله ثم يغيب. ولذلك تميل القراءات المتصلة بها إلى معاني كشف الغامض وبزوغ الفكرة في وقت الحيرة. ومع ذلك فالرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على حدث بعينه ولا تُعد إخبارًا بما سيقع. وإنما تُقرأ بحسب حال الرائي وظروفه ومشاعره داخل الحلم. وكل ما يأتي هنا قراءات احتمالية مفتوحة للتأمل.
في الرمزية العامة يرمز البرق إلى الوضوح السريع والإنارة المؤقتة لأمر كان خفيًا، ويرمز الليل إلى الخفاء والسكون والأمور التي لم تتضح بعد. فإذا اجتمعا فالصورة أقرب إلى ضوء يظهر في وقت الغموض، كفكرة تنير حيرة أو فهم يأتي بعد التباس. وقد يرمز كذلك إلى خبر يصل في وقت متأخر أو إلى كشف جانب من أمر كان مستورًا. وإذا اقترن به رعد فقد يضاف إليه معنى الانتباه القوي. وهذه المعاني ليست خيرًا ولا شرًا على سبيل الجزم، فالسياق هو الذي يرجح.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأضواء في ظلمة الرؤيا قد تدل على علم أو بيان أو هداية إلى أمر، ويختلف قدرها بحسب نوع الضوء وثباته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البرق في الليل قد يشير إلى أمل يلوح وسط الضيق أو إلى وعد قريب. وتختلف الآراء في هذا الباب، فبعضهم يقرأ الظلام على أنه حيرة وبعضهم على أنه ستر، وكثير منهم لا يقطع. كما أن البرق في الليل بوصفه الخاص أقل تناولًا في الكتب القديمة من البرق عمومًا، فلا يتوفر فيه نص تفصيلي يمكن الاعتماد عليه وحده. وتبقى القراءة فيه اجتهادًا يعتمد على الأصول العامة.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإن كان الرائي وحده في الظلام ثم أضاء البرق الطريق فقد يدل على وضوح في أمر كان يسير فيه بحذر، وإن كان في بيته ينظر من النافذة فالمعنى أقرب إلى تأمل وانتظار. وإن تلاه رعد فقد يرمز إلى خبر يعقب هذا الوضوح، وإن عاد الظلام بعده فقد يعني أن الوضوح مؤقت وأن الأمر يحتاج إلى متابعة. وإن شعر الرائي بالأمان فالصورة أقرب إلى الاطمئنان، وإن شعر بالرهبة فهو شعور طبيعي أمام المفاجأة في الظلام.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة برقًا في الليل فقد يشير ذلك إلى فكرة تتضح لها في أمر كان مبهمًا، أو إلى جواب تنتظره يلوح بعد طول تردد. وقد يدل على بوادر أمل في أمر دراسي أو مهني. وإن كانت مخطوبة فقد يعبّر عن وضوح قريب في أمر معلق بين الأسرتين. وليس في الرؤيا ما يدعو إلى الخوف، فهي أقرب إلى الإنارة منها إلى الإزعاج. ويحسن بها أن تتخذ من هذا الوضوح خطوة هادئة وأن تستشير من تثق به.
وللمرأة المتزوجة قد يدل البرق الليلي على إدراك جديد لأمر في البيت كان غامضًا، أو على كلمة تضيء خلافًا قديمًا، أو على فكرة تخطر لها وهي في خلوتها. أما الحامل فقد تأتيها هذه الرؤيا غالبًا لحساسيتها وترقبها، وليس فيها دليل على أمر يخص الحمل أو الجنين. والحلم ليس نصيحة طبية، وأي أمر صحي يُرجع فيه إلى الطبيب. وللرجل قد يرمز إلى فكرة تنضج في خلوته بشأن عمل أو مال أو قرار أسري، فيحسن به ألا يتعجل وأن يختبرها بالتفكير الهادئ.
وفي التفاصيل الدقيقة يختلف المعنى بين برق يضيء السماء كلها وبرق يلمع في ناحية واحدة، فالأول أقرب إلى وضوح شامل والثاني إلى وضوح في جانب بعينه. وإن كان القمر ظاهرًا فالصورة أقرب إلى الصفاء، وإن كانت الغيوم كثيفة فقد يدل على أمر ما زال معقدًا. وإن أضاء البرق وجوهًا أو أشياء بعينها فقد يشير إلى أنها محور الأمر الذي يشغل الرائي. ومدة الضوء وتكراره وصوت الرعد بعده من التفاصيل التي تستحق أن يستحضرها الرائي.
ومن الجانب النفسي، قد يكون البرق الليلي في الحلم صدى لضوء حقيقي مر على عيني النائم، أو تعبيرًا عن الفكرة المفاجئة التي تأتي كثيرًا في أوقات الخلوة قبل النوم. وهو يناسب حال من يفكر طويلًا في أمر ما ثم يجد الحل فجأة. ومن العملي أن يضع الرائي بجانب سريره ورقة صغيرة يدون فيها ما خطر له، وأن يراجعه صباحًا بهدوء. ويفيد أن يهيئ غرفة نومه لنوم هادئ بإطفاء الأنوار المزعجة. والرهبة من الضوء المفاجئ في الظلام شعور بشري عادي.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُتخذ أساسًا لقرار ولا سببًا للانزعاج. وينبغي للرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بالخير والهداية وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا رمز قابل لأكثر من قراءة. فليبدأ الرائي يومه التالي بنفس مطمئنة وأمل في الخير.
